تقدير موقف

الانتخابات الإسرائيلية 2026 وانعكاساتها على الحالة الفلسطينية

27 Sep 2026

مقدمة انتخابات في ظل أزمة استراتيجية ممتدة

لا تجري الانتخابات الإسرائيلية لعام 2026 في بيئة سياسية اعتيادية، ولا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد منافسة بين معسكر نتنياهو ومعارضيه على تشكيل الحكومة المقبلة. فالانتخابات تأتي في لحظة تواجه فيها إسرائيل اختبارًا مركبًا لقدرتها على استعادة الردع، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وإدارة جبهات متعددة، والحفاظ على تماسك المجتمع والاقتصاد، في ظل بيئة إقليمية لم تنجح إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، في تحويلها إلى بيئة خاضعة بالكامل لإرادتها الاستراتيجية.

ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات 27 أكتوبر 2026 أقرب إلى انتخابات حول شكل الدولة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، ومستقبل منظومتها الأمنية والسياسية، أكثر من كونها انتخابات تقليدية بين اليمين واليسار. فالسؤال الذي يواجه الناخب الإسرائيلي لا يتعلق فقط بمن يحكم، وإنما بمن يستطيع إدارة دولة أصبحت أكثر تعرضًا للتهديد، وأكثر استقطابًا، وأكثر كلفة من الناحية الأمنية والاقتصادية، وأقل يقينًا بشأن قدرتها على فرض نتائج سياسية حاسمة في البيئة الإقليمية.

وفي المقابل، فإن أهمية الانتخابات بالنسبة للفلسطينيين لا تكمن فقط في احتمال رحيل بنيامين نتنياهو أو بقائه، وإنما في معرفة ما إذا كان التغيير السياسي الإسرائيلي سيؤدي إلى تغيير في طبيعة إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أم سيعيد إنتاج السياسات نفسها بأدوات ووجوه مختلفة.

البيئة الاستراتيجية إسرائيل أمام جبهات لم تُحسم

دخلت إسرائيل الانتخابات وهي تحمل إرثًا ثقيلًا من الحرب الممتدة منذ 7 أكتوبر، ومن العمليات العسكرية في غزة، والتوتر المتواصل على جبهات لبنان وسوريا، والتصعيد المتعلق بإيران، إضافة إلى التحولات التي طرأت على البيئة البحرية والإقليمية، ولا سيما في البحر الأحمر وباب المندب.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة. فقد استطاعت إسرائيل إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بخصومها، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل التفوق العسكري إلى سيطرة استراتيجية كاملة على البيئة المحيطة بها. فإيران تعرضت لضربات عسكرية كبيرة، لكنها لم تُخرج من المعادلة الإقليمية، وما زالت تمتلك أدوات ضغط قادرة على التأثير في الأمن والطاقة والملاحة. كما أن استمرار التوتر حول مضيق هرمز يجعل أحد أهم ممرات الطاقة العالمية جزءًا من الصراع الإقليمي، بما يرفع كلفة الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي والغربي.

وفي الجهة الأخرى، يمثل باب المندب تحولًا جيوسياسيًا واقتصاديًا لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تهديد أمني للسفن. فقد رآكم الحوثيون قدرة متزايدة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، الأمر الذي ينعكس على حركة التجارة، وكلفة التأمين والنقل، وسلاسل الإمداد، وميناء إيلات، وعلى قدرة إسرائيل على الوصول إلى الأسواق الآسيوية عبر المسارات البحرية التقليدية.

وبذلك أصبحت إسرائيل أمام عقدتي اختناق جيو-اقتصاديتين متزامنتين هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر. وهذا يعني أن البيئة الاستراتيجية لإسرائيل لم تعد محكومة فقط بحدودها البرية أو بقدرتها على التفوق الجوي والصاروخي، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية تدفقات الطاقة والتجارة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

أما لبنان وسوريا، فهما لا يمثلان جبهتين منفصلتين عن هذا المشهد. فالتطورات على الحدود الشمالية، والوجود العسكري الإسرائيلي، ومحاولات إعادة صياغة البيئة الأمنية في جنوب لبنان وسوريا، تؤكد أن إسرائيل ما زالت تتعامل مع المنطقة بمنطق إنشاء أحزمة أمنية ومناطق نفوذ وردع متقدم، بدل الانتقال إلى بيئة إقليمية مستقرة.

وهذا كله يضع الحكومة الإسرائيلية المقبلة أمام معضلة أساسية كيف يمكن تحقيق الأمن والردع في بيئة تتسع فيها مصادر التهديد، وتتداخل فيها الجبهات، ولا يمكن فيها تحقيق الحسم العسكري الكامل؟

نتنياهو قد يخسر الانتخابات، لكن إرثه الاستراتيجي لا يخسر الانتخابات معه

يمثل نتنياهو أحد أهم المتغيرات في الانتخابات المقبلة، لكنه في الوقت ذاته أحد أكثر العناصر التي يجب الحذر من تضخيمها. فخروج نتنياهو من الحكم، إذا حدث، لا يعني بالضرورة خروج الأفكار والسياسات التي ترسخت خلال سنوات حكمه.

لقد ساهم نتنياهو في إعادة تشكيل السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية على أساس إدارة الصراع بدل حله، وإضعاف فرص التسوية السياسية، وتعزيز مكانة القوى اليمينية والدينية، وتوسيع هامش التعامل مع الضفة الغربية باعتبارها مجالًا للحسم التدريجي للسيادة والسيطرة.

ولهذا فإن التحدي الفلسطيني لا يتمثل في السؤال عما إذا كان نتنياهو سيبقى، وإنما في السؤال عما إذا كانت القوى التي قد تحل محله ستراجع هذا الاتجاه أم ستعيد إنتاجه بطريقة أكثر مؤسسية وأقل صدامًا مع المجتمع الدولي.

قد يكون إيزنكوت، مثلًا، أكثر قدرة من نتنياهو على إعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسة الأمنية، وقد يكون أكثر قبولًا لدى قطاعات من الوسط الإسرائيلي، لكنه ليس بالضرورة أكثر استعدادًا للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وبالمثل، فإن صعود حكومة وسط أو يمين أكثر اعتدالًا في خطابها لا يعني تلقائيًا انتقالها إلى تسوية سياسية وكما قيل قد يتغير السياسي، لكن اتجاه البنية لا يتغير بالسرعة نفسها.

المجتمع الإسرائيلي أزمة ثقة أكثر منها تحولًا نحو التسوية

تكشف الانتخابات عن مجتمع إسرائيلي يعيش أزمة ثقة عميقة في القيادة والمؤسسات، خصوصًا بعد إخفاقات 7 أكتوبر، وتكاليف الحرب، واستمرار الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وتظهر استطلاعات سبتمبر أن الأمن والسياسة الخارجية، والمساءلة عن 7 أكتوبر، وتكلفة المعيشة، تأتي ضمن أبرز القضايا التي تؤثر في سلوك الناخبين. وهذا مهم؛ لأنه يعني أن جزءًا أساسيًا من التنافس الانتخابي يدور حول من يستطيع إعادة بناء الشعور بالأمن والكفاءة الحكومية.

لكن لا توجد أدلة كافية على أن هذا التحول الداخلي يعني تحولًا واسعًا نحو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو قبول تسوية نهائية للصراع.

ولهذا يجب التمييز بين ثلاثة أمور

تغيير الحكومة لا يعني تغيير السياسة.

إنهاء حرب معينة لا يعني إنهاء الصراع.

إعادة بناء الديمقراطية الإسرائيلية لا تعني بالضرورة الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

ومن هنا فإن القراءة الفلسطينية للانتخابات يجب ألا تنطلق من ثنائية "نتنياهو أو البديل"، بل من سؤال أكثر عمقًا ما الذي سيبقى ثابتًا في الاستراتيجية الإسرائيلية بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة؟

الضفة الغربية من إدارة الاحتلال إلى مشروع الحسم

تمثل الضفة الغربية المجال الأكثر أهمية في قراءة ما بعد الانتخابات. فبينما استحوذت غزة على مركز الاهتمام العسكري والسياسي خلال السنوات الماضية، شهدت الضفة مسارًا متزايدًا من توسيع الاستيطان، وتغيير قواعد السيطرة، وتوسيع صلاحيات المستوطنين والمؤسسات المدنية الإسرائيلية، إلى جانب تراجع المسافة بين الإدارة العسكرية والسياسة الاستيطانية.

وهنا تبرز فكرة «الحسم» بوصفها أكثر من مجرد شعار سياسي. فهي تعبر عن اتجاه يسعى إلى تحويل السيطرة الإسرائيلية من واقع قابل للتفاوض إلى واقع مؤسسي دائم.

وإذا واجهت إسرائيل صعوبة في تحقيق حسم استراتيجي في البيئة الإقليمية، فقد تصبح الضفة أكثر أهمية باعتبارها المجال الذي يمكن فيه تحقيق نتائج أكثر قابلية للتثبيت. ولذلك فإن احتمال انتقال مركز الثقل من غزة إلى الضفة بعد الانتخابات يجب أن يكون من أهم الفرضيات التي تستعد لها القيادة الفلسطينية.

فالخطر لا يتمثل فقط في إعلان رسمي للضم، وإنما في ضم تدريجي وظيفي وقانوني وجغرافي يجعل الإعلان السياسي في مرحلة لاحقة مجرد تثبيت لواقع سبق بناؤه على الأرض.

غزة انتهاء الحرب لا يعني انتهاء القضية

حتى في حال انتهاء العمليات العسكرية الكبرى في غزة، لن يعني ذلك انتهاء الصراع. فغزة ستبقى مرتبطة بثلاثة أسئلة رئيسية من يحكم؟ ومن يعيد الإعمار؟ ومن يضمن الأمن؟

وهذه الأسئلة لن تكون فلسطينية فقط، بل ستصبح جزءًا من التنافس الإسرائيلي والإقليمي والدولي حول شكل النظام الفلسطيني المقبل.

وقد تحاول حكومة إسرائيلية جديدة الانتقال من نموذج الحرب المفتوحة إلى نموذج أكثر قابلية للإدارة احتواء أمني، ترتيبات مرحلية، ضغط سياسي واقتصادي، وإعادة تعريف العلاقة مع غزة دون العودة إلى تسوية سياسية شاملة.

وهنا تكمن إحدى أخطر الفرضيات أن يتحول الانتقال من الحرب إلى ما يشبه الهدوء إلى بديل عن معالجة جذور الصراع.


السيناريوهات السبعة ماذا بعد الانتخابات؟

السيناريو الأول يتمثل في استمرار نتنياهو وإعادة إنتاج مشروع الحسم. وفي هذه الحالة يرجح استمرار الاتجاهات الحالية في الضفة، وتصعيد استخدام أدوات الضغط، والحفاظ على أولوية الأمن والحرب، مع ارتفاع احتمالات المواجهة مع الفلسطينيين. وتزداد احتمالية هذا السيناريو إذا استطاع معسكر نتنياهو تجاوز أزمة الأرقام الحالية وتحويل الاستقطاب الأمني إلى أصوات انتخابية.

أما السيناريو الثاني فهو تشكيل حكومة بقيادة إيزنكوت. وهو سيناريو يعني على الأرجح إعادة ترتيب العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية، ومحاولة استعادة الثقة بالدولة، وإعادة بناء التحالفات الخارجية، لكن ذلك لا يضمن تحولًا جوهريًا تجاه الفلسطينيين. وقد تكون حكومة كهذه أكثر عقلانية في إدارة الصراع، لا أكثر استعدادًا لإنهائه.

السيناريو الثالث يتمثل في صعود بينيت أو ائتلاف وسط يمين جديد. وقد يسعى هذا الاتجاه إلى تخفيض تكلفة الصراع وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية، مع الحفاظ على قدر كبير من السيطرة الإسرائيلية على الأرض. وبذلك يصبح الهدف إدارة الصراع بكفاءة أعلى، لا تسويته.

السيناريو الرابع هو حكومة وحدة وطنية تنشأ نتيجة العجز عن تشكيل ائتلاف مستقر. وقد تؤدي إلى تثبيت الإجماع الأمني الإسرائيلي، خصوصًا في القضايا المرتبطة بإيران وغزة ولبنان والضفة، مع تقليص حدة الصراع الداخلي مؤقتًا.

السيناريو الخامس هو الأزمة الائتلافية والعودة إلى الانتخابات. وهو سيناريو لا يعني فراغًا سياسيًا بالضرورة، لكنه قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى، ويدفع الحكومة إلى إجراءات قصيرة الأجل ذات طبيعة انتخابية.

السيناريو السادس هو انتقال مركز الثقل إلى الضفة الغربية. وهذا قد يحدث بصرف النظر عن هوية الحكومة، إذا تزايدت عمليات الضم الفعلي والاستيطان والعنف وتآكل قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة وظائفها. وفي هذه الحالة تصبح الضفة الساحة الأكثر ترجيحًا لانفجار فلسطيني إسرائيلي واسع.

أما السيناريو السابع فهو إعادة تشكيل إقليمي للصراع، بحيث لا تعود القضية الفلسطينية منفصلة عن التنافس حول إيران، والخليج، وهرمز، والبحر الأحمر، ولبنان وسوريا. وفي هذا السيناريو تصبح إسرائيل جزءًا من منظومة إقليمية أمنية أوسع، ويصبح الفلسطينيون أمام خطر التعامل مع قضيتهم باعتبارها ملفًا أمنيًا داخل ترتيبات إقليمية، بدل كونها قضية تحرر وطني وحقوق سياسية.

السيناريو المركب الأكثر ترجيحًا حتى نهاية 2027

الأرجح ألا يتحقق أي سيناريو من السيناريوهات السبعة بصورته الخالصة. فالسيناريو الأكثر ترجيحًا هو تغيير جزئي في القيادة مع استمرار جوهر البيئة الاستراتيجية.

أي حكومة ستصل إلى السلطة ستجد نفسها أمام مجتمع أكثر حساسية تجاه الأمن، ومؤسسة أمنية أكثر تأثيرًا، ويمين أكثر رسوخًا، ووقائع استيطانية متقدمة، وجبهات إقليمية مفتوحة، واقتصاد يتحمل تكاليف أمنية متزايدة.

وعليه، فإن الاحتمال الأكبر هو أن نشهد حتى نهاية 2027 إعادة تعريف لإدارة الصراع لا إنهاءً للصراع، مع انتقال تدريجي أكبر نحو الضفة الغربية، ومحاولة تثبيت ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، واستمرار الضغط على السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع إعادة ترتيب الجبهة الإقليمية.

التداعيات على الحالة الفلسطينية

تكمن الخطورة الأساسية في أن الفلسطينيين قد يقرأون الانتخابات باعتبارها فرصة لتغيير الحكومة الإسرائيلية، بينما تقرأها إسرائيل باعتبارها فرصة لإعادة بناء الدولة وأدوات القوة.

وهذا الفارق في القراءة يمكن أن يكون مكلفًا فإذا انتقلت إسرائيل إلى مرحلة ما بعد نتنياهو من دون مراجعة جوهرية لمشروع السيطرة على الأرض، فقد تجد القيادة الفلسطينية نفسها أمام حكومة إسرائيلية أكثر استقرارًا وفاعلية في تنفيذ سياسات الضم التدريجي. وإذا استقرت غزة أمنيًا من دون تسوية سياسية، فقد يتحول الهدوء إلى أداة لإعادة إنتاج الفصل الجغرافي والسياسي الفلسطيني. وإذا استمرت الأزمة الإقليمية، فقد تتزايد محاولة دمج القضية الفلسطينية داخل ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية لا تستجيب بالضرورة لجوهر الحقوق الوطنية الفلسطينية.

لذلك فإن الاستجابة الفلسطينية لا ينبغي أن تكون انتظار نتائج الانتخابات وإنما الاستعداد لما بعدها.

الخلاصة

الانتخابات الإسرائيلية 2026 ليست نقطة نهاية، بل نقطة انتقال. وقد يكون أهم خطأ استراتيجي فلسطيني هو اختزالها في سؤال هل يبقى نتنياهو أم يرحل؟

فالسؤال الأكثر أهمية هو ما الذي ستفعله إسرائيل بعد الانتخابات في بيئة إقليمية لم تستطع حسمها، وفي مجتمع يريد استعادة الأمن والثقة، وعلى أرض فلسطينية تتسارع فيها وقائع الضم والسيطرة؟ فنتنياهو قد يرحل، لكن إرثه قد يبقى. وقد تتغير الحكومة، لكن الأمن سيظل المحدد المركزي للسياسة الإسرائيلية. وقد تنتهي حرب، لكن الصراع سيستمر بأدوات أخرى.

ومن ثم فإن الاحتمال الأكثر خطورة على الفلسطينيين ليس بالضرورة بقاء نتنياهو، وإنما نجاح إسرائيل في إنتاج حكومة جديدة أكثر قدرة على إدارة مشروع السيطرة والحسم من دون الحاجة إلى التخلي عنه وهنا تحديدًا تتحول انتخابات 2026 من شأن إسرائيلي داخلي إلى متغير استراتيجي في مستقبل الحالة الفلسطينية.