في منطقةٍ تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، لا تبقى الحروب محصورة في جغرافيتها المباشرة. وإذا ما اندلعت مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ارتداداتها لن تتوقف عند الخليج أو مضيق هرمز، بل ستمتد إلى بؤر التوتر كافة، وفي مقدمتها قطاع غزة.
*غزة… ساحة غير مباشرة لصراع مباشر*
رغم أن غزة ليست طرفاً مباشراً في صراع أمريكي–إيراني، إلا أن موقعها في معادلة الاشتباك الإقليمي يجعلها عرضة للتأثر. فإسرائيل، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، تعتبر أي تمدد لنفوذ طهران في المنطقة تهديداً لأمنها القومي، ما قد يدفعها إلى إعادة حساباتها الأمنية في القطاع.
في حال اندلاع حرب محدودة بين واشنطن وطهران، قد تكتفي إسرائيل برفع مستوى الجاهزية وتشديد الحصار والإجراءات الأمنية، تحسباً لأي تطور ميداني. أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة، فإن احتمالية فتح جبهة جنوبية ضد غزة تصبح أكثر واقعية، ضمن سياسة استباقية تهدف إلى "تحييد الجبهات" ومنع تعدد ساحات القتال.
*حسابات إسرائيل… بين الردع والاستباق*
تدرك إسرائيل أن أي مواجهة واسعة في المنطقة قد تفتح عليها أكثر من جبهة، سواء من الشمال أو الجنوب. لذلك، قد تسعى إلى توجيه ضربات استباقية لتقليل المخاطر المحتملة. وفي هذا السياق، قد تكون غزة إحدى الساحات التي تخضع لإعادة تموضع عسكري وأمني، خاصة إذا تصاعد التوتر الإقليمي.
لكن في المقابل، فإن انخراط إسرائيل في حرب إقليمية كبرى يحمل مخاطر داخلية واقتصادية وأمنية، ما يجعل قرار فتح جبهة جديدة قراراً معقداً ومحكوماً بحسابات دقيقة.
*الأثر الإنساني… الحلقة الأضعف*
أكثر ما يثير القلق في أي سيناريو تصعيدي هو البعد الإنساني. قطاع غزة يعيش أصلاً أوضاعاً معيشية صعبة بفعل الحصار والحروب المتكررة. أي تصعيد إقليمي سيؤدي غالبًا إلى:
* تشديد القيود على المعابر.
* ارتفاع أسعار السلع والوقود.
* تعطل وصول المساعدات الإنسانية.
* زيادة احتمالات النزوح الداخلي.
وفي ظل واقع هش أصلًا، فإن أي اهتزاز أمني إضافي قد يدفع بالأوضاع نحو مزيد من التدهور.
*البعد السياسي… لعبة التوازنات*
من غير المرجح أن ترغب واشنطن في توسيع رقعة المواجهة لتشمل ساحات إنسانية حساسة، خاصة أن أي تصعيد في غزة قد يخلق ضغطا دولياً إضافياً على الإدارة الأمريكية. كما أن أطرافاً إقليمية قد تسعى لإبقاء القطاع خارج دائرة النار، تجنباً لانفجار شامل.
ومع ذلك، تبقى غزة جزءاً من مشهد إقليمي معقد، حيث تتداخل العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية في رسم مسار الأحداث.
*بين الاحتمال والواقع*
حتى اللحظة، يبقى سيناريو الحرب الشاملة بين أمريكا وإيران في إطار الاحتمالات السياسية، لكن تجربة المنطقة تؤكد أن أي شرارة قد تعيد رسم المشهد بالكامل. وغزة، كما كانت دوماً، تقف على خط تماس الأحداث، تنتظر ما ستسفر عنه حسابات القوى الكبرى.
في النهاية، يظل مصير القطاع مرهونا باتساع دائرة المواجهة وحدودها، وبالقرارات التي ستتخذها العواصم الكبرى في لحظة اشتباك قد تغيّر وجه المنطقة بأكملها.