في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية، تتصاعد مؤشرات على توجه أمريكي لإعادة تشكيل البنية السياسية الفلسطينية، عبر الدفع نحو ما يُسمّى بـ"الكفاءات" بوصفها بديلاً عن القيادات التقليدية والحركات السياسية القائمة. هذا التوجه، إن صحّت ملامحه، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تمارسها الولايات المتحدة في المنطقة، ولا عن حالة الضعف والانقسام التي تعانيها الساحة الفلسطينية منذ سنوات.
*إعادة هندسة المشهد*
لطالما تعاملت واشنطن مع الملف الفلسطيني باعتباره جزءًا من منظومة ترتيبات إقليمية أوسع، لا كقضية تحرر وطني قائمة بذاتها. وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة أطروحات تتحدث عن "تجديد القيادة"، و"إصلاح السلطة"، و"تمكين الكفاءات الشابة"، وهي عناوين تبدو في ظاهرها إصلاحية، لكنها تثير تساؤلات جوهرية: من يحدد معايير الكفاءة؟ ومن يمنح الشرعية؟ وهل يمكن استبدال الشرعيات الوطنية المتراكمة عبر عقود من النضال بوجوه تُصاغ في غرف القرار الدولي؟
إن تغييب القيادات التاريخية أو تحييد الحركات السياسية الفاعلة لا يعني بالضرورة إنتاج بديل أكثر تمثيلاً، بل قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي خطير، خاصة في ظل غياب انتخابات شاملة تعيد إنتاج الشرعية عبر صناديق الاقتراع.
*بين رام الله وغزة: أزمة قيادة أم أزمة نظام؟*
تعيش الساحة الفلسطينية حالة انقسام ممتد بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ما أضعف مركز القرار الوطني وسمح بتدخلات خارجية أوسع. في رام الله، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات تتعلق بالشرعية الشعبية، والضغوط المالية، والارتهان لاتفاقيات سياسية وأمنية معقدة. أما في غزة، فقد أفرزت سنوات الحصار والحروب واقعاً إنسانياً وسياسياً استثنائياً، تُطرح في ظله تصورات لإدارة القطاع بمعزل عن بنيته السياسية القائمة.
الحديث عن "وصاية أمريكية" على غزة، سواء عبر ترتيبات أمنية أو إشراف دولي أو إعادة إعمار مشروطة، يعكس مخاوف من تحويل القطاع إلى مساحة إدارة تقنية خالية من البعد السياسي والوطني، بحيث تُختزل القضية في تحسينات معيشية مقابل تغييب القرار السيادي.
*الكفاءات بين الضرورة والتوظيف السياسي*
لا خلاف على أن أي مشروع وطني يحتاج إلى كفاءات متخصصة في الإدارة والاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية. لكن الإشكالية تكمن في توظيف مفهوم "الكفاءة" كبديل عن التمثيل السياسي والشرعية النضالية. فالدول لا تُدار فقط بعقل تكنوقراطي، بل تحتاج إلى قيادة سياسية قادرة على التعبير عن تطلعات شعبها، والتفاوض باسمه، وتحمل تبعات القرار.
إن استبدال الحركات السياسية بشخصيات غير مؤطرة وطنيًا قد يفضي إلى تفكيك البنية الجمعية للشعب الفلسطيني، وتحويل العمل العام إلى مسارات فردية خاضعة للدعم والتمويل الخارجي، ما يهدد استقلالية القرار الوطني.
نحو استعادة المبادرة الوطنية
المأزق الراهن لا يُعالج بالرفض الخطابي وحده، ولا بالقبول غير المشروط بكل طرح خارجي. المطلوب أولًا إعادة بناء البيت الداخلي عبر:
* إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي.
* إجراء انتخابات شاملة تعيد إنتاج الشرعيات.
* تطوير منظمة التحرير الفلسطينية لتضم جميع القوى الفاعلة.
* تمكين الكفاءات ضمن إطار وطني جامع، لا بديلاً عنه.
إن أي محاولة لفرض وصاية، أياً كان مصدرها، ستظل هشّة ما لم تستند إلى إرادة شعبية حقيقية. فالشعب الفلسطيني، الذي صمد لعقود أمام الاحتلال والحصار، قادر على تجديد قيادته من داخله، لا عبر هندسة خارجية تُعيد تعريف الشرعية وفق مقاييس سياسية مرحلية.
في النهاية، المعركة ليست فقط على الأرض، بل على تمثيل الإرادة الوطنية. وبين تغييب القيادات التقليدية وطرح بدائل "معلّبة"، يبقى السؤال الأهم: من يملك حق تعريف المصلحة الفلسطينية؟ الجواب لا يمكن أن يكون إلا فلسطينياً، جامعاً، وديمقراطياً.