في لحظة تاريخية مثل الطوفان، تتكشف الحقيقة بوضوح: الفعل الثوري ليس نتاجًا لأيديولوجيا محض، بل استجابة لمأساة متراكمة على مدار عقود. ومع ذلك، تختار بعض الخطابات تبسيط الأحداث، واختزالها في إطار فكري ضيق يربط الفعل بالمعتقدات، متجاهلة أن الجذر الحقيقي للصراع هو الاستعمار والقهر البنيوي. أكثر من ذلك، تكشف الأزمة الحالية عن هشاشة النخب العربية التي حاولت تبني نموذج الغرب في السياسة وفصل الدين عنه، لكنها ارتدت نسخة مشوهة لم تصمد أمام اختبار الواقع. في هذا المقال، نقرأ الطوفان من زاوية أعمق: بين الواقع الذي فرض الانفجار، ودور النخب في فهمه، وبين السرديات المستوردة التي غالبًا ما تصنع ضحايا إضافيين عبر اختزال الأحداث إلى أطر أيديولوجية لا تعكس الحقيقة.
فحين يُساء فهم الجذور نرى قراءة في الطوفان وأزمة النخب العربية واضحة حيث تعيش المنطقة اليوم في خضم مراجعات فكرية وسياسية عميقة، وأغلب القراءات السريعة تتعامل مع الأحداث الكبرى — ومنها الطوفان — بوصفها نتاجًا مباشرًا للفكر السياسي الذي تتبنّاه الحركات الفاعلة. هذا الاختزال، رغم شيوعه، يُفقد الظاهرة جوهرها، ويحوّلها إلى سردية سطحية لا تكشف ديناميات الصراع ولا تفسّر دوافع الفعل الثوري.
فالحديث عن الطوفان باعتباره «ثمرة» للفكر الإسلامي أو برنامج المقاومة يفترض ضمنيًا أن الأفكار تصنع الانفجارات التاريخية. لكن التجربة الإنسانية تُظهر أن الأفكار لا تتحوّل إلى أفعال كبرى إلا حين تلتقي مع شروط موضوعية ضاغطة، وتاريخ طويل من الإقصاء والقهر والاستعمار. الفعل الثوري لا يولد من نص أو عقيدة، بل من تراكب الجرح الجمعي، وانسداد الأفق السياسي، وتحول المجتمع من خانة الانتظار إلى خانة الاستعادة.
لقد جاءت الطوفان في سياق واقع بنيوي صلب: مسار تسوية متعثر، حصار خانق طويل الأمد، ومجتمع تُصادر أرضه وحقوقه وحياته اليومية تحت منظومة استعمارية متواصلة. في هذا الواقع، تصبح الأيديولوجيا إطارًا يعبر عن لحظة الانفجار، لا سببًا كافيًا لولادتها. المقاومة — الإسلامية أو الوطنية — لم تعد مجرد فصيل مسلّح أو رؤية فقهية، بل تحوّلت إلى بنية اجتماعية متكاملة تتجاوز التنظيم، إلى شعور وطني جماعي يُعيد فيه المجتمع تعريف ذاته.
وفي هذا السياق، تتجلى أزمة النخب العربية التي حاولت تبني نموذج الغرب، لكن في صورة مشوهة. إذ اعتقدت بعض النخب أن فصل الدين عن السياسة هو شرط الحداثة والتقدم، متجاهلة أن الغرب نفسه لم يفصل الدين عن السياسة، بل فصل مؤسسات الكنيسة عن الدولة، ثم وظف الدين كقوة اجتماعية وسياسية مركزية في صناعة القرار والهوية. فالنخب العربية، في محاولتها التقليدية لتقليد الغرب، ارتدت لباسًا فكريًا لم يكن حقيقيًا، وخلطت بين التحديث الظاهري والخضوع الأيديولوجي، ما أدى إلى فجوة بين خطابها والمجتمع الذي يفترض أنها تخدمه.
ربط العملية الفكرية للفعل المقاوم فقط بسياق أيديولوجي يعيد إنتاج سردية تتجاهل أن المركز الحقيقي للعنف هو الاستعمار نفسه، وأن أي قراءة لا تبدأ من بنية الاحتلال ستنتهي بتجريم المقهور وتبرئة الجلاد. الطوفان لم يُصنع بواسطة برنامج فكري وحده، بل بواسطة تراكم الضغوط: حصار مستمر، تدمير البنية التحتية، قيود صارمة على التنقل والموارد، وغياب أي أفق سياسي واقعي. كل هذه العناصر تشكّل بيئة إجبارية للفعل الثوري، تجعل أي نقاش عن “خطأ أيديولوجي” في المرتبة الثانية.
كما أن التركيز على الفكر الإسلامي لتحليل الطوفان يحجب الحقيقة الأساسية: أن الفلسطينيين لم يتحركوا لأنهم ملتزمون بمبادئ فكرية بحتة، بل لأن الواقع القسري الذي فرضته سنوات طويلة من الاحتلال جعل المقاومة ضرورة. إن أي قراءة جادة للأحداث الأخيرة يجب أن تتجاوز لعبة الاتهام أو التبرير، لتطرح سؤالها الأعمق: لماذا تصل المجتمعات إلى لحظة يصبح فيها الفعل الثوري ضرورة لا خيارًا؟
والحل يكمن في فهم البنية التاريخية والسياسية والاجتماعية، لا في قراءة النصوص أو الأيديولوجيا بمفردها. الطوفان ليس مشروعًا عقائديًا بقدر ما هو لحظة تحوّل بنيوي في معادلة الصراع، أعادت رسم حدود القوة وأظهرت هشاشة السرديات الجاهزة. في هذه اللحظة، تصبح الحاجة إلى نخب واعية ومرتكزة على فهم المجتمع والواقع السياسي أكثر إلحاحًا من أي خطاب مستورد، لأنها وحدها القادرة على قراءة التاريخ بشكل صحيح دون إسقاط أيديولوجيات مغلوطة.
إن إدراك أن الطوفان جاء نتيجة قهر واستعمار، وليس نتيجة خطأ فكر حركة بعينها، هو مفتاح التحليل الصحيح. الفعل الثوري هنا ليس مجرد نتيجة أيديولوجية، بل إعلان صمود وإعادة تعريف للوجود تحت ظروف لم تترك بدائل إلا الانفجار. ومن خلال هذا الفهم يمكن للمجتمع أن يوازن بين الدروس التاريخية والحاجة إلى صوغ سياسات مستقبلية تعالج الأزمة البنيوية، بعيدًا عن السرديات المبسطة أو النقل الأعمى لمفاهيم غربية مشوهة.
في النهاية، يصبح السؤال الحاسم: هل نعيد النظر في أسس الصراع وتحليل الواقع البنيوي، أم نستمر في اختزال الأحداث في أطر أيديولوجية ضيقة تفقد المجتمع أدوات فهمه واستيعابه؟ الإجابة تحدد قدرة المجتمع على بناء استراتيجية حقيقية للتحرر وإعادة صياغة ذاته في مواجهة التحديات الكبرى.