حادثة الاغتيال ليس بالحدث الجديد ومن المتوقع أن من يمضي في مشروع الجهاد والمقاومة لا بد من أن يقدم الثمن باهظة وثمين، وقرار الاغتيال قد اتخذ في الكبينت المصغر منذ أكثر من أسبوع، وقد كان له مسوغات إسرائيلية جاهزة حول الاغتيال من خلال تسريب وثيقة مصنفة سرية للغاية إلى القيادة السياسية تتضمن ادعاءات كاذبة وتحذيرات استخبارية بشأن تجدد قوة حماس بغزة، من بينها: مؤشرات أولية حول قيام حماس بجمع معلومات عن قوات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وتجنيد عشرات المقاتلين الجدد داخل صفوف كتائبها، وإنتاج مئات العبوات الناسفة وقذائف الهاون والقذائف المضادة للدروع شهريًا، ومواصلة التدريب النظري والعملي رغم وجود الجيش الإسرائيلي، ومنذ وقف إطلاق النار لم تنتهي دورات التدريب لحماس، والمحافظة على إعادة بناء وترميم البنية التحتية العسكرية القائمة وتحسينها.
في سياق عملية الاغتيال التي أطلق عليها جيش الاحتلال اسم «جُرأة حادة»، ادعى الإعلام العبري مشاركة ثلاث طائرات وإطلاق 13 قذيفة على شقة سكنية وسيارة مدنية غادرت مكان الحادثة لإفشال محاولات النجاة للتخلص من «الشبح و كبير القتلة»، بتوجيهات من رئيس حكومة الاحتلال المجرم "نتنياهو" ووزير جيش الإحتلال "كاتس"، نفذ سلاح الطيران هجوم فى غزة إستهدف "عز الدين الحداد" ــ قائد الجناح العسكرى لحركه حماس وأحد مهندسى هجوم السابع من أكتوبر، بعد فشل تحقيق الإنجازات الميدانية على أرض الواقع لجبهات الحرب، اتجهت الأنظار الصهيونية إلى تفعيل ملف الاغتيالات من جديد وتصفية الحسابات مع الشخصيات الداعمة للخلايا النائمة حتى كادت المنظومة الاستخبارية الصهيونية في حالة هوس أمني من الأحداث الميدانية وتوقعات ردات الفعل حول جرائم جيش الاحتلال بحق أهلنا وشعبنا، فتتربص عيون الشاباك والموساد للشخصيات القيادية المُوجِهة لإعادة ترتيب البنية التحتية للمجموعات والخلايا بغزة في محاولة منهم للوصول لحلقة الوصل وتحييد أي حدث متوقع تنفيذه، فيما يسعى العدو تشتيت الأنظار نحو لبنان عبر إعلامه المُضلل فمنذ عِدة أيام والخطاب حول موضوع وقف اطلاق النار وإجراء مفاوضات مع حزب الله إلا أن الخيانة لا تفارق أهلها، كما أن الكبينت المصغر كان يتداعى بالرد مؤخراً وهذا ما تداوله وزراء صهاينة متطرفين، ووصلت المعلومات الاستخبارية بأن حزب الله ما زال يُصمم على بقاءه في المنطقة الحدودية والتفاوض تحت النار على اعتبار أن الحق ينتزع ولا يستجدى به، مطالباً إخلاء المناطق التي سيطر عليها الاحتلال وهي جزء لا يتجزأ من الحق اللبناني، وبالتالي فإن الأنظار الآن تتجه نحو الاغتيالات الصامتة وخاصة بأن جزء من الإعلام العبري تحدث أن نتنياهو يتفرغ لعودة الحرب مع إيران، بينما عيون المخابرات تترصد لقطاع غزة مجدداً مع تصاعد الخروقات بشكل كبير جدًا وارتقاء عشرات الشهداء يومياً، كما ويسعى الاحتلال جاهدا لدس السُم وتهويل الأحداث لتمرير أهدافه ومخططاته، فيما تتجه أنظار الاحتلال سراً نحو إعادة تفعيل ملف الاغتيالات الأمر الذي يبدو فيه اتخاذ قرارات حاسمة في الاستعداد لعملية قتالية جديدة مع غزة فيما يخشى العدو من إعادة ترميم المقاومة والقسام صفوفهم ومحاولة تحييد الأنشطة لتنفيذ مخططه في حدث كبير يهدف لتحقيق صورة الردع المفقودة وفشل جيشه في السيطرة الكاملة على قطاع غزة والكبينت الصهيوني المصغر صوت مؤخراً على مواصلة تنفيذ عمليات الاغتيال، وهنا استخدم العدو تلميحا لشخصية قيادية عالية المستوى للنيل منها، لكن الاحتلال منظومته الاستخبارية معروف عنهما الغدر والخيانة.
الاستهداف المعنوي يستهدف عقول المقاومة وجمهورها، ويهدف لتجريد المقاومة من شرعيتها الشعبية، عبر الترويج لروايات مفادها أن المقاومة هي من تجر غزة إلى الحروب، أو أنها تتحمل مسؤولية الدمار، هذه الروايات يبثها الاحتلال عبر وسائل الإعلام المأجورة، ويضخمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لكن المقاومة كانت دائمًا المدافع عن الشعب، ومع ذلك فإن الاحتلال لا يدخر جهدًا في استغلال كل لحظة لتمرير سرده المغرض، مستخدمًا في ذلك آلاف الحسابات الوهمية.
فمنذ الإعلان عن تشكيلها في بداية التأسيس عقب الإنتفاضة الأولى من خلال مجموعات وخلايا تقود العمل المقاوم والعمليات الفدائية تولى قيادة الكتائب عدد من القادة كان أولهم "ياسر النمروطي" ولم تقف المقاومة منذ حينها ولم تسقط الراية ويخلف القائد قادة ومجاهدون على ذات الدرب، وحين ارتقى النمروطي حمل الراية من بعده القائد "صلاح شحادة"؛ ثم ارتقى شحادة فحمل الراية من بعده "محمدضيف"؛ ثم ارتقى الضيف فحمل الراية من بعده "محمد السنوار"؛ وارتقى السنوار فحمل الراية من بعده "عز الدين الحداد"؛ وارتقى الحداد فحمل الراية من بعده آخرون، وتستمر المسيرة إلى أن يكتب المولى إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة .. فالشجرة الطيبة لا يُعدم خيرها والراية الطاهرة يستلمها شهيد ويُسلمها لآخر والمقاومة مسيرة عطاء مستمرة إلى أن يشاء الله تعالى، ولن تسقط الراية وسيخلف القائد قادة، "فإن كانت الاغتيالات نصرًا لانتهت المقاومة منذ إغتيال "عز الدين القسام" قبل 90 عامًا، نحن نعمل بإرادة الله وعلى عينه، يخلف القائد قادة والجندي عشرة والشهيد ألف مقاوم، وهذه الأرض تنبت المقاومين كما تنبث غصون الزيتون" (الملثم/ أبوعبيدة).
في تحريض اعلامي واضح ضد غزة نقلت القناة 12 العبرية: أن الجيش الإسرائيلي سلم وثيقة إلى المستوى السياسي يحذر فيها من أن حركة حماس تستغل وقف إطلاق النار لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وتعمل على تنظيم وتعزيز بناء قوتها داخل قطاع غزة خلال إعادة تأهيل جناحها العسكري، وتسريع وتيرة تجنيد النشطاء، وأضافت الوثيقة: لم تصل حركة حماس بعد إلى قفزة نوعية كبيرة، لكنها تمضي تدريجيًا في عملية التعافي وإعادة البناء، وحذرت الوثيقة من أن الحرب مع إيران ولبنان تصب في مصلحة حماس وأن عدم تنفيذ عملية نزع سلاح وتفكيك لقدرات حماس، سيعيد الجيش إلى نقطة الصفر، فيما طالب المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ميلادينوف: من القيادة السياسية التي تحكم غزة التنحى جانباً، موضحاً عدم مطالبة حماس أن تختفي كحركة سياسية ويمكنها المشاركة في الانتخابات، وأكد أن المهام الموكلة له الآن في مجلس السلام تتمثل في التخطيط للخطوات المقبلة والانتقال إلى مرحلة التنفيذ ودخول اللجنة الوطنية لإدارة حكم غزة دون أي مظاهر مسلحة لفصائل المقاومة.
الخروقات متواصلة منذ إتفاق شرم الشيخ أكتوبر الماضي, والاحتلال لم يلتزم ولا يجد من يلزمه ضاربا حرض الحائط للقوانين والمواثيق والعهود الدولية والاتفاقات المنبثقة عنها ودليل ذلك طيلة الأعوام السابقة يرتكت الانتهاكات العدوانية والمجازر البشعة وصولا لحرب الإبادة بغزة وضم أراضي الضفة مؤخراً، من يقول لفرعون أو النمرود قف! أو كفى! عدوانا وقتلا بالفلسطينيين العالم يقف متفرجا والقوى الديكتاتورية العظمى هي داعمة في سياسة القتل المتبعة والممنهجة منذ عشرات السنوات هذا الأمر ليس جديدا على كيان الاحتلال وحكومته المتطرفة سرعان ما ينبذ الاتفاق لتحقيق أهدافه المرجوة وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية وغيرها ليظهر تجسيد صلابة وقوة الكيان الزائل قريباً بأمر الله. أما تعليق المرحلة فهذه سياسة عنصرية ليست مرتبطة بالخروقات الميدانية والعدوان المتواصل والاعتقالات المتكررة ولا يعتبر ورقة ضغط، فغزة أعانها الله على ما تعانيه اليوم بعد أن أطلقت شرارة الزوال وبدأت المعركة؛ نتانياهو يفعل ما يشاء وينفذ سياساته من أجل إطالة عُمر حكومته وعدم ملاحقته في القضاء؛ والعودة إلى التصعيد وارد وبقوة، حيث من الممكن خلال رمضان المقبل أن يدخل نتانياهو عملية عسكرية جديدة في المنطقة الوسطى لقطاع غزة والتي هددها كثيراً في المحيط الإعلامي، رغم موافقته على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار لكنه بحجج الادعاء بعدم نزع السلاح من فصائل غزة قد يعتبر ذلك عدم التزام مستغل الصمت العالمي والدعم الأمريكي الواضح وينفذ مبتغاه من خلال عملية عسكرية واسعة أو محدودة في إطار قصف مستمر وتدمير بنية تحتية، فاستهداف المدنيين هو عدوان مقصود في مسار العنكبوت وجزء من استراتيجية ممنهجة من العدوان المتواصل على غزة لتعطيل أي دور دولي أو جهد سياسي في المنطقة، وليس مجرد تطور أمني عابر، حيث تزامن مع دخول المرحلة الثانية حيز التنفيذ نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وتسليمه لمجلس السلام ودخول اللجنة الإدارية التكنوقراطية التي من المفترض أن تتسلم مهامها منذ بداية العام الجاري في محاولة لإسقاط شرعيتها عمليًا قبل بدء عملها، من خلال ضرب البيئة الإنسانية والخدماتية التي يفترض أن تعمل ضمنها لإفراغ مضمونها وإضعاف ثقتها، بما يخدم سردية أن غزة غير قابلة للإدارة المدنية في ظل العدوان، والتصعيد الميداني الأخير خطير جداً وهو ليس طارئًا أو عبثاً، ويُقدَّم كأداة مقصودة لإرباك مسار التهدئة وصناعة وقائع قسرية، بل ويعد ترجمة ميدانية لما كُشف عن محاولات النتن ياهو بهدف تخريب جهود مجلس السلام وتعطيل الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وفق خطة ترامب، لذلك الخروقات المتكررة والاغتيال للكوادر والنشطاء في فصائل المقاومة والمنظومة الشرطية كان هدفاً واضحاً لعرقلة أي تقدم سياسي أو ميداني، فكلما حاولت غزة النهوض بالحياه يعيدها الإحتلال إلى مربع الدم والتدمير ، مسلسل استهداف وضحايا يومي والصورة النمطية لدى العالم انً هناك وقف إطلاق نار، في ظل مواصلة الاحتلال خروقاته للهدنة طويلة الأمد أو إتفاق وقف إطلاق النار المُبرم في شرم الشيخ خلال أكتوبر المنصرم عبر عمليات إغتيال ضد قيادات المقاومة الفلسطينية وعناصر المنظومة الأمنية والشرطية لإحداث خربطة في تنظيم الصفوف وتحييد مخططات إسناد الأنشطة التخريبية وفقاً لسياسة الاحتلال المعهودة بما يعرف جزّ العِشب، ونشر الفوضى والفلتان في الساحة الفلسطينية، ونسف المباني في المناطق الشرقية للقطاع، ضمن سياسة التدمير الممنهج التي يحاول عبرها فرض واقع بالقوة بعد عجزه عن تحقيق صورة “النصر الكامل” التي وعد بها جمهوره منذ بداية الحرب، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة مع استمرار تقليص دخول المساعدات والأدوية ونقص كبير في الغذاء والدواء والوقود، حيث يعاني قطاع غزة من بوادر مجاعة حقيقية جديدة نتيجة الحصار ومنع إدخال المساعدات بشكل كافٍ ومنتظم، فيما تستمر أيضاً معاناة المرضى والأطفال والنازحين بوتيرة أكبر في ظل إنهيار الخدمات الصحية وتراجع القدرة الشرائية نتيجة نقص السيولة الحاد، وكلما نظرت في أزقة غزة وحواريها ومخيماتها لا ترى إلا طوابير المياه وأزمات الخبز ونقص الأدوية باعتبارها مشاهد يومية تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
كان يعتقد الاحتلال أنه يستطيع مسح غزّة وتهجّير أهلها في أقل من عام، كما كان يحلم زعماء الصهاينة السابقين كابن غوريون وجولدا مائير وبيغن ورابين وشارون وسحب سلاح حزب الله في لبنان، وضرب إيران وانهاء قدراتها، وبناء ممر داوود في الجنوب السوري الذي يمرّ بالسويداء ويصل إلى قسد، ومنع التسلّح التركي، وتركيع الإدارة السورية الجديدة، وتطبّيع مع السعودية، وإنشاء ممراً جديداً من الهند إلى الخليج ثم الأردن عبر كيان الاحتلال، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! فلم يُهجَّر الغزيون، وما زال حزب الله يضرب المسيّرات صوب الميركافا، وفي الجنوب واجهوا صلابة الموقف السوري وفشلت الخطة وباتوا أقرب لتوقيع إتفاقية أمنية مهينة، وتركيا أعلنت عن صواريخ عابرة للقارات، ووضعت مخططاً زمنياً لإقلاع مقاتلة الجيل الخامس، وحتى إيران ما زالت تناور عسكرياً وسياسياً، وظهر جلياً للاحتلال أن اللعبة أكبر من قدراتهم، وأن ورقة التوت التي تغطيهم سقطت، وأن هذا الإقليم الملتهب لا يخشى شيء، وهو متصالح إلى حد بعيد مع فكرة الموت أكثر من حدود أحلام نتنياهو ومخططاته! وأن لأمريكا مشاريع عالمية أكبر من كيان الاحتلال مرتبطة بالتنين الصيني.
مسار المفاوضات قد دخل طريق مسدود بعد تهرّب الاحتلال من تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم وجود توافق مبدئي على ورقة من 15بندًا تقوم على البدء الفوري بالإجراءات الإنسانية والأمنية قبل الانتقال للمرحلة الثانية، والفصائل وافقت إجرائيًا بشرط التنفيذ الفعلي، بما يشمل إدخال 600 شاحنة يوميًا، ووقف العمليات والاغتيالات، والانسحاب إلى ما بعد “الخط الأصفر”، لكن الوقائع أظهرت استمرار الخروقات ورفض الانسحاب وربطه بمراحل لاحقة. هذا التعطيل أصاب منطق التدرج بالشلل، ووضع الوسطاء أمام عجز حقيقي وانتكاسة عن فرض الالتزامات، والغرق في أزمة مع الاحتلال وسط تآكل متسارع في الثقة، في المقابل تمسكت الفصائل بعدم الانتقال لأي مرحلة دون تنفيذ ملموس وجدول زمني واضح، بينما تحوّل ملف لجنة التكنوقراط إلى أداة تأجيل إضافية، النتيجة أن المسار يتجه نحو تشكيل أزمة بدل إدارة حلول مقترحة، مع ترقّب لأي اختراق فعلي في الأيام القادمة، وهو ما حصل كان متوقع مع اغتيال الحداد القائد العام القسام.