في مشهد يختلط فيه الألم بالانتظار، تقف غزة اليوم على حافة الأمل المكسور، تترقب تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بينما يثقل كاهلها واقع إنساني مأساوي لا يحتمل مزيداً من التسويف. الحديث عن التريث والترقب قد يبدو في سياقات سياسية أخرى أمراً منطقياً، لكنه في حالة شعب مكلوم منكوب، يتحول إلى عبء إضافي يضاعف من حجم المعاناة.
غزة لا تعيش ظرفاً عادياً يمكن معه تبرير البطء أو المناورة السياسية. هناك واقع إنساني قاس يتجلى في انعدام مقومات الحياة الأساسية، من ماء وكهرباء ودواء، فضلاً عن حالة الانهاك النفسي والاجتماعي التي تضرب المجتمع بأكمله. في ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال ملحاً: لماذا المماطلة؟ ولماذا المراوغة طالما أن هناك اتفاقًا يفترض أن يضع حدًا لهذه المعاناة؟
إن التذرع بالتعقيدات السياسية أو الحسابات الإقليمية لم يعد مقبولاً أمام مشهد إنساني بهذه القسوة. فالاتفاقات، في جوهرها، وجدت لتُنفذ، لا لتُستخدم كأدوات ضغط أو أوراق مساومة. وأي تأخير في تنفيذها لا يمكن قراءته إلا كجزء من سياسة إدارة الأزمة بدل حلها، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة الناس، لا على طاولات التفاوض.
الأخطر من ذلك، هو أن الانتهاكات المستمرة رغم وجود اتفاق، تقوض ما تبقى من ثقة، ليس فقط بين الأطراف المعنية، بل أيضاً بين الشعب وأي أفق سياسي ممكن. فكيف يمكن إقناع شعب يدفع ثمن كل لحظة انتظار بأن هناك جدية في إنهاء معاناته، بينما الواقع يشير إلى عكس ذلك؟
إن المطلوب اليوم ليس مزيداً من الدعوات إلى التريث، بل تحرك جاد ومسؤول يترجم الاتفاقات إلى أفعال ملموسة على الأرض. فغزة لا تحتاج إلى بيانات جديدة، بل إلى قرارات تُحترم، والتزامات تُنفذ، وإرادة حقيقية تنحاز للإنسان قبل أي اعتبار آخر.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل من يملك قراراً أو تأثيراً: إلى متى سيبقى شعب كامل رهينة الانتظار؟ وإلى أي حد يمكن تبرير استمرار الانتهاك في ظل اتفاق يفترض أنه وُقّع لإنهاء المعاناة لا لإدارتها؟