مجلس السلام يقدم صورة مضللة عن مساعدات غزة ،هيومن رايتس ووتش تكشف الزيف من خلال التقرير الذي أصدره المجلس يدعي زيادة المساعدات التي وزعتها وكالات الأمم المتحدة بنسبة تتجاوز سبعين بالمائة مقارنة بمستويات ما قبل وقف إطلاق النار هذا الادعاء يتجاهل التراجع الفعلي منذ أوائل عام ٢٠٢٦ الإمدادات لم تتعاف أبدا إلى المستويات التي سبقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير. الواقع يبقى دون الحد الأدنى الضروري للبقاء البشري.
ان الأرقام تكشف الخدعة عدد الشاحنات الداخلة انخفض من متوسط أسبوعي يبلغ أربعة آلاف ومائتي شاحنة إلى ٩٥ شاحنة فقط بعد إغلاق المعابر في الثامن والعشرين من فبراير. هذا الانهيار ليس مجرد إحصائية إنه دليل على سياسة الحصار الممنهج الذي يمارسه الاحتلال بأشكال جديدة المجلس يتجاهل هذا الواقع ويبني روايته على أساس انتقائي يخدم الرؤية الصهيونية.
لقد تعهدت عدد من الدول بسبعة عشر مليار دولار لإعادة الإعمار بينما تقدر الأمم المتحدة الحاجة الفعلية بسبعين مليارا حتى أبريل لم يتلق المجلس سوى أقل من مليار دولار من ثلاثة مانحين فقط، هذا التفاوت يعكس هشاشة الالتزام الدولي ويبرز كيف يتحول المجلس إلى أداة لتبييض الجرائم بدلا من مواجهتها.
ومن زاوية أخري تركيبة المجلس نفسه تثير الشكوك، افتقاره إلى تمثيل فلسطيني حقيقي يجعله يعكس رؤية الاحتلال أكثر مما يعبر عن إرادة الشعب المحتل، هذا الغياب ليس صدفة إنه امتداد لمنطق الاستعمار الذي يرفض الاعتراف بالآخر كند ويحوله إلى موضوع للإدارة والسيطرة. في لغة أفلاطون يعيش أعضاء المجلس داخل الكهف ينظرون إلى الظلال ويسمونها حقيقة بينما الواقع خارج الكهف يصرخ بالجوع والدمار.
وبحسب مصادر اعلامية فان نيكولاي ملادينوف يتلقى راتبا شهريا يقارب ثلاثة وثلاثين ألف دولار مقابل عمله في هذا المجلس هذا المبلغ الفلكي في ظل كارثة إنسانية يعيد إلى الأذهان نقد أرسطو للأوليغارشية ،القلة التي تسيطر على الموارد وتستخدمها لخدمة مصالحها الخاصة تحت ستار الإنسانية مجلس السلام هنا يمثل النخبة البيروقراطية الدولية التي تحول المأساة إلى وظيفة مربحة الراتب الضخم يشتري الصمت ويغطي على التقارير .
هذا السلوك ليس مجرد خطأ إداري إنه تبن كامل لرؤية الاحتلال المجلس يعيد إنتاج الخطاب الإعلامي الذي يصور الضحية كمبالغ في مطالبها والجلاد كمانح كريم، في مصطلحات القانون الدولي يشكل ذلك انتهاكا لمبدأ الحياد ومساهمة في جريمة الإبادة الجماعية من خلال التجويع الممنهج. المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية تتحدث بوضوح عن إلحاق أذى جسدي أو معنوي بالجماعة، حجب المساعدات وتزييف حجمها يندرج تحت هذا التعريف.
الفلسفة اليونانية تمنحنا أدوات لفهم الظاهرة.
ان سقراط كان يبحث عن الحقيقة بالحوار والتشكيك في المسلّمات أما مجلس السلام فيعكس سلوك السوفسطائيين الذين يبيعون الكلام المعسول مقابل المال والنفوذ. هم لا يبحثون عن العدالة بل عن الإقناع الزائف. تقريرهم ليس وثيقة تقييم بل خطاب دعاية يخدم الطرف الأقوى.
ان الواقع الميداني في غزة يشهد على الكارثة. المستشفيات مدمرة والجوع يفتك بالأطفال والنساء. المياه ملوثة والأمراض تنتشر. في هذا السياق يأتي تقرير المجلس كإهانة للكرامة الإنسانية. هو يحول المعاناة إلى أرقام إيجابية ويطلب من العالم تصديق الوهم. هذا النوع من التضليل لغة جديدة تخلق واقعا بديلا ينفي الجريمة.
المقاومة بفزة نفسها نفت الادعاءات لكن المجلس يستمر في روايته هذا الإصرار يكشف عن طبيعة المشروع ،المجلس ليس هيئة محايدة بل جزء من آلة الاحتلال الدولية التي تسعى إلى إدارة الصراع لا حله. إدارة بمعنى السيطرة على الضحايا ومنع المقاومة من خلال الوعود الكاذبة والمساعدات الشحيحة.
التمثيل الفلسطيني المفقود يعني أن الصوت الحقيقي للشعب محجوب ،قرارات تتخذ فوق رؤوس أهل غزة هذا يخالف مبادئ تقرير المصير المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. اذن المجلس يعيد إنتاج نمط استعماري قديم يفترض أن الشعوب المستعبدة غير قادرة على تمثيل نفسها فيحتاج إلى وصي دولي.
في النهاية يظل السؤال الفلسفي معلقا. متى يصبح الصمت على الظلم مشاركة فيه،مجلس السلام بتقاريره المضللة وراتب مديره الضخم يقدم إجابة واضحة. هو يختار الجانب الخاطئ جانب القوة ضد الحق جانب الوهم ضد الواقع جانب الاحتلال ضد الشعب.
هذا النقد ليس شخصيا بل مبدئيا يستهدف بنية النظام الدولي الذي يسمح بمثل هذه الكيانات، يدعو إلى تفكيك هذه الآليات واستبدالها بآليات تعبر عن إرادة الشعوب المضطهدة. غزة ليست مجرد قضية إنسانية ،إنها اختبار لأخلاق العصر ومجلس السلام يفشل في هذا الاختبار بجدارة.
الرواية الحقيقية تبنى على الأرض لا في تقارير مكتبية الشاحنات القليلة والأموال الشحيحة والجوع المنتشر كلها أدلة لا تقبل الجدل أما الديماغوجيا فتبقى كلاما في الهواء كلام يخدم الاحتلال ويطيل أمد المعاناة.