ثمة لحظات في تاريخ الشعوب لا تأتي لكي تضيف حدثًا جديدًا إلى سجل الأيام، وإنما تأتي لكي تفتح الأسئلة التي جرى تأجيلها طويلًا. وطوفان الأقصى كان من تلك اللحظات التي لم تكتفِ بتغيير مشهد المواجهة مع إسرائيل، بل دفعت الجميع إلى مراجعة كثير من المسلمات التي ظُنّ أنها أصبحت جزءًا من الواقع الذي لا يتغير.
فقد أعاد الطوفان القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الدولي بعد سنوات من محاولات اختزالها في ملفات تفاوضية أو ترتيبات أمنية أو أزمات إنسانية. لكنه في الوقت ذاته كشف حقيقة أخرى أكثر إيلامًا، وهي أن الأزمة الفلسطينية لم تكن فقط أزمة احتلال، بل كانت أيضًا أزمة في تعريف المشروع الوطني نفسه.
فالأمم لا تعيش فقط بالذاكرة والتضحيات، وإنما تحتاج إلى وضوح في الإجابة عن الأسئلة الكبرى: ماذا نريد؟ وكيف نصل إليه؟ وما الأدوات التي تخدم هذا الهدف؟ ومتى تصبح الوسائل عبئًا على الغايات؟
لقد كان الخلل الأكبر الذي أصاب التجربة الفلسطينية أن كثيرًا من القوى السياسية تعاملت مع الوحدة الوطنية باعتبارها نقطة البداية، بينما كانت التجارب التاريخية تشير إلى أن الوحدة الحقيقية تكون ثمرة اتفاق على المشروع، لا بديلًا عن الاتفاق عليه.
فليست المشكلة أن الفلسطينيين اختلفوا، فالاختلاف أمر طبيعي في حياة الشعوب. المشكلة أنهم حاولوا أحيانًا أن يجعلوا من الاختلاف بين رؤى متناقضة مجرد تنوع سياسي يمكن احتواؤه بالاتفاقات التنظيمية. لكن هناك فرقًا بين اختلاف البرامج داخل المشروع الواحد، واختلاف تعريف المشروع ذاته.
فمن يرى الصراع باعتباره مشروع تحرر وطني شامل، لا ينظر إلى المرحلة وأدواتها بالطريقة نفسها التي ينظر بها من يرى الأولوية في بناء سلطة سياسية ضمن ترتيبات دولية قائمة. وعندما يختلف تعريف الهدف، يصبح الاختلاف حول الوسائل نتيجة طبيعية.
لقد أثبت التاريخ أن حركات التحرر لا تنتصر لأنها جمعت كل الأصوات، وإنما لأنها استطاعت أن تحسم رؤيتها، ثم تبني حولها أوسع دائرة ممكنة من الإجماع. أما محاولة الجمع بين مشاريع متناقضة تحت عنوان الوحدة، فإنها قد تنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تنتج استراتيجية قادرة على الإنجاز.
ومن هنا تأتي أهمية النقاش حول الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة عام 2027. فالانتخابات في ذاتها ليست مشكلة، بل هي أداة مهمة في أي نظام سياسي يسعى إلى تجديد شرعيته. لكن السؤال الذي ينبغي ألا نتجاوزه هو: هل الانتخابات ستجدد شرعية المؤسسات فقط، أم ستجدد شرعية المشروع الوطني أيضًا؟
فالانتخابات تستطيع أن تحدد من يتولى المسؤولية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن الأسئلة التي تسبقها: ما طبيعة المرحلة؟ ما شكل الصراع؟ ما وظيفة السلطة؟ وما حدود العلاقة بين السياسة والمقاومة؟
وهنا تكمن المعضلة. فالمشكلة الفلسطينية اليوم ليست فقط في من يمثل الشعب الفلسطيني، وإنما في أي رؤية سيمثلها هذا التمثيل.
لقد كشف طوفان الأقصى أن العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر ليست خيارًا واقعيًا. فإسرائيل نفسها تغيرت، والمنطقة تغيرت، والنظام الدولي أعاد ترتيب أولوياته، والفلسطينيون أمام لحظة تاريخية لا تحتمل إدارة الأزمة بالأدوات القديمة.
إن أخطر ما يمكن فعله هو التعامل مع الانتخابات باعتبارها علاجًا لأزمة أعمق منها. فالانتخابات قد تعالج أزمة الشرعية، لكنها لا تعالج أزمة الرؤية. وقد تعيد ترتيب موازين القوى داخل المؤسسات، لكنها لا تحسم الخلاف حول الوجهة الوطنية.
المطلوب اليوم ليس إلغاء فكرة الانتخابات، بل وضعها في مكانها الصحيح. فقبل أن نسأل: من سيحكم؟ علينا أن نسأل: على أي مشروع سيحكم؟
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: فلسطين لا تحتاج فقط إلى وحدة وطنية، بل تحتاج إلى وطنية تؤسس للوحدة. أي إلى اتفاق على المعنى قبل الاتفاق على الشكل، وعلى الهدف قبل توزيع الأدوار.
إن “وحدة الوطنية” التي تقوم على جمع المتناقضات قد تبقي الانقسام مستترًا، أما “وطنية الوحدة” فهي التي تجعل الاختلاف السياسي داخل إطار مشروع جامع.
بعد طوفان الأقصى، لم يعد السؤال الفلسطيني مجرد سؤال انتخابات أو مؤسسات أو ترتيبات سياسية. السؤال الأعمق هو سؤال المستقبل: هل يستطيع الفلسطينيون أن يعيدوا بناء مشروعهم الوطني بما يتناسب مع التحولات الكبرى التي حدثت، أم سيحاولون إعادة إنتاج مرحلة انتهت؟
فالتاريخ لا يمنح الفرص كثيرًا، واللحظات الكبرى لا تنتظر طويلًا. ومن ينجح في قراءة التحول الذي حدث، هو من يستطيع أن يصنع المستقبل، أما من يكتفي بإدارة الماضي، فلن يملك إلا إعادة إنتاج أزماته.