الاحتلال الإسرائيلي..حين يعدم الضمير
14 Jun 2026

إن العدو الحقيقي أمام ما يحدث اليوم لم يعد الخوف من الموت هو ما يقلق الضمير الحي بل إعدام فكرة الإنسان بحد ذاتها،حين يشهد العالم جريمة إسرائيلية متكاملة الأركان لا كحادث عرضي بل كمشروع وجودي لإثبات أن القوة الإسرائيلية تستطيع أن تلد قانونها الخاص فإن الصمت يصبح شكلا من أشكال التواطؤ الميتافيزيقي ،هذا هو جوهر ما تمارسه دولة الاحتلال الإسرائيلي اليوم إنها تقفز على السؤال الأخلاقي الأول لتستبدله بجبروت القوة العسكرية المتوحشة محاولة تحويل احتلال عسكري استيطاني إلى قدر وجودي لا يناقش

إن ما يحدث في غزة ليس حربا بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليه في القانون الدولي الإنساني بل هو انهيار ممنهج لمبدأ التمييز الذي تتأسس عليه اتفاقيات جنيف ،عندما تستهدف غارات جوية بقنابل زنة ألفي رطل مخيمات نازحين تم تسكينهم قسرا في مناطق يفترض أنها آمنة فإننا لا نشهد خرقا لقواعد الاشتباك بل نشهد فلسفة عسكرية تدمج عمدا بين المدني والمقاتل

هذه الفلسفة تجد جذورها في عقيدة القتل التي تتبناها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والتي تحول المساحات المدنية إلى هدف استراتيجي مشروع في عرفها ،إن القفزة النوعية من الاحتلال إلى الاستيطان ثم إلى الضم الزاحف تمثل مرض الروح في طوره النهائي

فحين تصادر الدولة القائمة بالاحتلال ستين بالمئة من مساحة الضفة الغربية المصنفة ج وتحولها إلى محميات استيطانية مغلقة فإنها لا تمارس عنفا سياسيا فحسب بل تمارس اغتيالا منهجيا لإمكانية المستقبل،إن المستوطنات التي تجاوز عدد سكانها السبعمئة ألف ليست أحياء سكنية عادية بل هي وحدات قتالية مدنية مسلحة تؤدي وظيفة مزدوجة هي تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وخلق واقع على الأرض يستحيل معه قيام كيان سياسي فلسطيني متصل وقابل للحياة هذه الممارسات تم توصيفها قانونيا من محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الأخير بأنها انتهاك جسيم للمادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الحربي، إن أعتى أشكال اليأس هو ذاك الذي يتحصن وراء لغة القانون وهو يعرف أنه يدنسه

عندما تتحول المحكمة العليا الإسرائيلية إلى غرفة صدى لشرعنة مصادرة الأراضي وتقنين البؤر الاستيطانية العشوائية تحت ذريعة أملاك الغائبين أو احتياجات الجيش فإننا نقف أمام تزييف مرعب للقانون الطبيعي،القانون هنا لا يحمي المقهور بل يصبح القناع الذي يختبئ خلفه الجلاد ليقول للعالم إنني أفعل ما أفعل تحت سقف المشروعية،الاعتقال الإداري الذي يطال آلاف الفلسطينيين دون تهمة ودون محاكمة ليس فراغا قانونيا بل هو اختيار أخلاقي مقصود لإذلال فكرة العدالة نفسها، إن وجود تسعة آلاف وأربعمئة أسير فلسطيني في سجون الاحتلال بينهم مئات الأطفال وعشرات النساء حتى منتصف هذا العام يمثل مشهدا مرعبا ليس بسبب العدد بل بسبب تحويل الأسر ذاته إلى طقس عبثي مطلق،في هذا الطقس لا يهم إن كنت مذنبا أو بريئا لأن الغاية ليست العقاب بل تكريس فكرة أن وجودك ذاته هو الجريمة،هذا هو نقيض ما يمكن تسميته بالقفزة الإيمانية نحو العدالة إنها القفزة نحو الهاوية.

العزلة ليست قدر المحتل بل هي مشروعه الواعي

وحده الكيان الذي يدرك في أعماقه أنه يبني وجوده على نفي وجود الآخر يمكنه أن ينتج هذا الكم من التبريرات الوجودية الهشة، لقد تحول مفهوم الأمن الإسرائيلي من ضرورة دفاعية إلى أسطورة تأسيسية تلتهم كل ما حولها إنها عذر دائم لاجتياح المدن وقصف المستشفيات وتجويع السكان المدنيين في القطاع المحاصر

حين استخدمت قوات الاحتلال سياسة قطع المياه والغذاء والكهرباء كأداة ضغط عسكري على قطاع غزة ثم تباهى قادتها السياسيون بذلك على منصات العالم فإنهم لم يعلنوا عن عقيدة عسكرية جديدة بل كشفوا العدمية القاتمة الكامنة في قلب المشروع الاستيطاني منذ بدايته.

إن المأساة العظمى ليست في قسوة الجلاد فقط بل في تحلل الضمير العالمي الذي يتحول إلى مشاهد متفرج يمارس شفقة سياحية باردة

حين تهدد إدارة أمريكية المحكمة الجنائية الدولية بفرض عقوبات عليها فقط لأن المدعي العام للمحكمة كريم خان تجرأ وطلب مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعه السابق فإن العالم يعود إلى حالة ازدواجية المعايير هنا ليست خطأ تقنيا في إدارة العلاقات الدولية بل هي سخرية مريرة من كل كلمة رفعها ضمير إنساني من أجل عالم تسوده قواعد واحدة

ما يحدث هو تفكيك لمعنى المسؤولية الجماعية وتحويل ميثاق الأمم المتحدة إلى وثيقة أدبية للزينة.

في النهاية لا يملك المرء سوى الشهادة

أن يشهد أن هناك من قاوم الإبادة بصموده اليومي تحت القصف لا بسلاحه فقط بل ببقائه واقفا، أن يشهد أن الجريمة مهما تعالت مبرراتها تبقى وصمة عار في جبين الإنسانية لا تمحوها انتصارات السلاح .

هذا هو الرد الوحيد الممكن على جريمة تسعى لأن تجعل من موت الإنسان مشهدا مألوفا ومن ضميره خرافة مضحكةان جوهر الجريمة ليس في القتل بل في محاولة إقناع المقتول بأن قتله كان قدرا محتوما

وهنا في نقطة الرفض النهائية في صوت الطفل الذي يخرج من تحت الركام ليقول كنت هنا ولم أمت بعد .

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي| المقال القانوني
الأسيرالشهيد عماد سرحان ضحية جديدة ومقصودة لسياسة "الإعدام البطيئ"!
15 Jun 2026
director
المقال السياسي
بين مأساة غزة ومعرفة الخصم هل تُدان الفكرة بمجرد قسوة المآل؟
13 Jun 2026
director
المقال السياسي
كسر الصمت من قلب الإمبراطورية: هل تفعلها جماهير كأس العالم 2026 انتصارًا لغزة؟
13 Jun 2026
director
المقال السياسي
إعادة إنتاج معادلة "وحدة الساحات": أين تقف غزة من التوازنات الإقليمية الناشئة؟
12 Jun 2026
director
المقال السياسي
إستغناء الاحتلال الإسرائيلي عن العمالة الفلسطينية ضريبة باهظة!
11 Jun 2026
director
المقال السياسي
ترويض البندقية لا إنهاء الحرب
10 Jun 2026
director
المقال السياسي
"طوفان الأقصى" متواصلة والمفاجآت قادمة!
09 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة من العمق الاستراتيجي إلى الإنقاذ الوطني
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة.. حين تصبح الطفولة ضحية إبادة اسرائيلية ممنهجة
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة ما بين مجاعة وعطش!!
07 Jun 2026
director
المقال السياسي
قانون الهيمنة في النظام الدولي والمعرفة المقاوِمة
03 Jun 2026
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026