في السياسة، ليس كل شيء يُقال.
أحيانًا تكون الرسالة الأقوى هي تلك التي لا تُكتب في بيان، ولا تُلقى في مؤتمر صحفي، ولا تُصرَّح بها أمام الكاميرات. يكفي أن تُرتَّب المقاعد بطريقة معينة، أو أن يُقدَّم ضيف قبل آخر، أو أن تُرفع راية في مكان محدد، حتى تبدأ الرسائل بالوصول إلى أصحابها.
هذا هو عالم الدبلوماسية، حيث يصبح الرمز لغة، ويصبح البروتوكول خطابًا كاملًا.
لكن ما جرى في مراسم تشييع السيد الشهيد خامنئي في إيران أضاف بعدًا آخر لهذا العالم. فلم يكن الأمر مجرد حضور أكثر من مئة وخمسين وفدًا رسميًا وشعبيًا وإسلاميًا وفصائليًا، بل كان لافتًا أن يقف كل وفد أمام الجثمان على وقع آية قرآنية خُصصت له دون غيره.
هنا تتوقف السياسة، ويتقدم التحليل.
لماذا هذه الآية لهذا الوفد؟ ولماذا اختيرت آية أخرى لوفد مختلف؟ وهل كان ذلك مجرد ترتيب عفوي، أم أننا أمام بروتوكول صُمم بعناية ليحمل رسائل لا تحتاج إلى شرح؟
سواء أكدت الجهة المنظمة ذلك أم لم تؤكده، فإن المشهد يفتح بابًا واسعًا للتفكير في ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية القرآنية”.
ليس المقصود بذلك استخدام القرآن في السياسة، فالقرآن أكبر من أن يُختزل في لحظة سياسية، وإنما المقصود توظيف المرجعية القرآنية في بناء الرسائل العامة، بحيث تتحول الآية إلى مفتاح لفهم موقف، أو تذكير بقيمة، أو استدعاء لمعنى يتصل بالحدث.
فالسياسة تعرف جيدًا أن الكلمات المباشرة تخلق ردود فعل مباشرة، أما الرمز فيدفع المتلقي إلى التفكير، ولذلك يبقى أثره أطول.
حين تُتلى أمام وفد آية تتحدث عن الثبات، فإنها ليست مجرد تلاوة، بل رسالة ثقة. وحين تُختار آية عن الوفاء بالعهد، فإنها تضع قيمة الوفاء في قلب المشهد دون أن تتهم أحدًا بالخيانة. وحين تُقرأ آية عن نصرة المظلوم، فإنها تجعل الجميع يعيدون قراءة مواقعهم من القضية، من غير أن يُذكر اسم أحد.
إنها رسالة لا ترفع صوتها، لكنها تصل.
ولعل هذا هو أكثر ما يميز القرآن، أنه يخاطب العقل والوجدان معًا. ولذلك، عندما يُستحضر في لحظة سياسية، فإنه لا يتحول إلى خطاب حزبي، بل إلى مرجعية أخلاقية تضع الجميع أمام ميزان واحد.
الدبلوماسية التقليدية تعتمد على البيانات، أما الدبلوماسية الرمزية فتعتمد على صناعة المعنى. وبينهما فرق كبير. فالبيان قد يُنسى بعد ساعات، أما الصورة التي تحمل رمزًا ذكيًا فقد تبقى سنوات، لأنها تظل قابلة للقراءة وإعادة التفسير كلما تغيرت الظروف.
وليس من قبيل المصادفة أن الدول الكبرى تستثمر كل رمز تمتلكه. بعضها يوظف التاريخ، وبعضها يوظف الثقافة، وبعضها يوظف القوة العسكرية، وبعضها يوظف القيم الديمقراطية. أما الأمة الإسلامية، فإنها تمتلك مرجعية هي الأعمق تأثيرًا في وجدان شعوبها، وهي القرآن الكريم.
السؤال الحقيقي ليس: هل يجوز استحضار القرآن في المجال العام؟ بل السؤال هو: هل نحسن تقديمه بوصفه مصدرًا للقيم والهداية، أم نحوله إلى أداة للصراع السياسي؟
إذا كان الهدف هو استحضار قيم العدل، والوفاء، والثبات، ونصرة المظلوم، فإن المرجعية القرآنية تصبح مصدر قوة أخلاقية هائلة. أما إذا استُخدمت الآيات لإضفاء القداسة على كل موقف سياسي، فإننا نكون قد ظلمنا السياسة والقرآن معًا.
ما حدث في مراسم التشييع، بصرف النظر عن تفاصيل تفسيره، يلفت الانتباه إلى قضية أكبر، وهي أن معارك هذا العصر لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالرموز أيضًا. فالصورة أصبحت سلاحًا، واللغة أصبحت سلاحًا، والرمز أصبح سلاحًا، وحتى اختيار آية في لحظة معينة قد يكون جزءًا من إدارة الرسائل بين الحلفاء والخصوم.
وهذا درس يستحق التأمل.
فالسياسة ليست فقط فن اتخاذ القرار، بل هي أيضًا فن إيصال المعنى. ومن يتقن صناعة المعنى، يمتلك قدرة على التأثير قد تفوق أحيانًا تأثير البيانات الصاخبة والخطب الطويلة.
وربما لهذا السبب، كانت الآية في ذلك المشهد تتحدث أكثر من الكلمات.