بإعتقادي لم يعد النظام الدولي اليوم يعمل وفق منطق ثابت أو قابل للتنبؤ كما كان في العقود السابقة.
وهو ما يوافق آراء العديد من الباحثين في العلاقات الدولية. فبينما تستمر المؤسسات الدولية في التمسك بوجودها، إلا أن قدرتها على ضبط الفعل السياسي يلاحظ تراجعها تدريجياً أمام صعود نمط أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الدولة مع شبكات نفوذ غير تقليدية، وتتحول فيه القوة إلى حالة متحركة بدل كونها بنية مستقرة.
ومن هنا، يمكن القول *إننا ننتقل من نظام دولي منظّم نسبياً إلى نظام شبكي متقلّب*، تُعاد فيه صياغة موازين القوة بشكل مستمر وفق تفاعلات اللحظة، لا وفق قواعد دائمة أو ملزمة.
وانطلاقاً من هذا التحول البنيوي، يمكن فهم الحالة في المحافظات الجنوبية لفلسطين *(محافظات غزة)* باعتبارها نموذجاً مكثفاً لهذا الانتقال. فمن جانب، لم يعد الصراع محصوراً بين أطراف تقليدية فحسب، بل أصبح ساحة لتداخل مستويات متعددة تشمل التدخلات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة، والأدوار الإقليمية، وضغط الرأي العام العالمي، أضف إلا ذلك صناعة دور للعناصر الخارجة عن النظام التي تغذيها "إسرائيل" للقيام بدور الوكيل عنها في غزة فضلاً عن شبكات التأثير الإعلامي والسياسي والاقتصادي. ومن جانب آخر، فإن محاولات بعض القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة، إعادة تشكيل اليوم التالي في غزة، تعكس سعياً لفرض *هندسة سياسية* جديدة. ومع ذلك، وكما يؤكد عديد من النخب السياسية بما فيها النيوليبرالية الأمريكية فإن هذه الجهود تصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد وبنية مقاومة محلية متجذرة، الأمر الذي يحدّ من إمكانية إنتاج نموذج مستقر قابل للفرض الكامل.
وعلى هذا الأساس، تكشف القراءة التحليلية أن هناك فجوة متزايدة بين التصورات السياسية الخارجية وبين قابلية تطبيقها داخل بيئات غير مستقرة. وبعبارة أخرى، فإنه حتى مع استمرار التدخلات الدبلوماسية والإنسانية، يظل الفاعل المحلي، بما في ذلك حركة حماس، عنصراً بنيوياً في المعادلة لا يمكن تجاوزه بسهولة، وهو ما يعكس طبيعة النظام الشبكي الذي لا يسمح باحتكار القرار من مركز واحد.
وعلاوة على ذلك، فإن تقييم جدوى محاولات إعادة التشكيل السياسي من الخارج يشير إلى أن نسب النجاح تبقى محدودة ما لم يتم تحقيق توازن دقيق بين الأمن والشرعية المحلية وإعادة الإعمار وتوفير أفق سياسي واضح. وفي هذا السياق، توضح التجارب السابقة أن فرض نماذج جاهزة في بيئات ما بعد النزاع غالباً ما يؤدي إلى استقرار هش، سرعان ما يتآكل مع مرور الوقت.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن المقاربات الأكثر واقعية هي تلك التي تعتمد على الدبلوماسية التدريجية، وتوسيع دائرة إشراك الفاعلين المحليين، إلى جانب اعتماد هندسة أمنية وتنموية مرنة من الداخل بدلاً من الحلول المفروضة من الخارج. كما أن أي وبالتالي، إن أي تسوية مستقبلية في السياق الفلسطيني ستتطلب، في نهاية المطاف، إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والسيادة والحوكمة على نحو أكثر تشاركية وأقل إقصائية.
وهنا يجدر القول، بأن العالم لا يتجه نحو فوضى مطلقة، بقدر ما يتجه نحو نظام شبكي تُدار فيه الأزمات عبر التفاوض المستمر بدلاً من الحلول النهائية. ومن ثم، فإن غزة لا تمثل استثناءً، بل تقدم نموذجاً مكثفاً لفهم هذا التحول العالمي المتسارع.
وهذا ما يمكن أن نلمسه من سلوك الأمريكي ومفوضه لادارة مجلس غزة "ميلادينوف" تحديداً.
وعليه فإن الرهان على فرض وقائع لا تتوافق مع الإرادة المحلية لمواطني غزة غالباً لن تشهد أي تقدم وتبقي الواقع دون أي حلول جذرية وبقاء حالة المراوحة خلف طاولة المفاوضات لادارة الصراع بعد الفشل في حسمه.