يظل الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة شاهدا حيا على سياسة الاحتلال الإسرائيلي المنهجية التي تستهدف ليس فقط الأرض والإنسان بل أيضا البنية الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني. فالحصار الجائر المفروض منذ عام 2007 والمتصاعد بعد عدوان أكتوبر 2023 لم يكن مجرد إجراء أمني كما يدعي الاحتلال بل هو أداة استراتيجية للعقاب الجماعي تهدف إلى تفكيك القدرة الإنتاجية وتحويل القطاع إلى سجن مفتوح يعاني من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية. وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والتقارير الدولية فإن الاقتصاد الغزي يعيش حالة انهيار غير مسبوقة تجاوزت كل الحدود السابقة للركود الذي فرضه الاحتلال على مدى عقود.
بدأت ملامح هذا الانهيار بالظهور جلية في أرقام الناتج المحلي الإجمالي. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة انخفاضا حادا بلغ 84 بالمائة مقارنة بعام 2023 بينما شهد انكماشا إضافيا بنسبة 8.7 بالمائة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024. ويقدر الخبراء أن الاقتصاد الغزي قد تقلص بنسبة تراكمية تصل إلى 87 بالمائة خلال العامين الماضيين مما يعني أن حجم الاقتصاد الذي كان يقدر بين 2.5 و3 مليارات دولار قبل العدوان انكمش إلى أقل من 400 مليون دولار فقط. أما الناتج المحلي الإجمالي للفرد فقد هبط إلى نحو 161 دولارا في عام 2024 وهو مستوى يعود إلى أوائل العقد الأول من القرن الحالي مما يمحو أكثر من عشرين عاما من أي تقدم تنموي سابق. هذا التراجع الدراماتيكي ليس نتيجة عوامل طبيعية أو أزمات عابرة بل هو ثمرة مباشرة لسياسة الاحتلال في تقييد الواردات وتدمير البنية التحتية ومنع التصدير مما يحول غزة إلى منطقة معزولة اقتصاديا تماما عن محيطها الإقليمي والدولي.
وتبرز البطالة كأحد أبرز مؤشرات الكارثة الاقتصادية. إذ تجاوز معدل البطالة في غزة 78 بالمائة خلال عام 2025 وفقا لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بعد أن كان يدور حول 45 بالمائة قبل العدوان. ويعني ذلك أن نحو ثمانية من كل عشرة أفراد في القوى العاملة باتوا بدون عمل مما يفوق كل الأرقام المسجلة في أي منطقة أخرى في العالم. ولا تقتصر المأساة على فقدان الوظائف بل تمتد إلى تفكك سوق العمل نفسه حيث توقفت معظم الأنشطة الإنتاجية في القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية. فالقطاع الخاص الذي كان يشكل عماد الاقتصاد الغزي قبل الحصار قد انهار تماما بفعل تدمير المصانع والمزارع والأسواق وتقييد حركة البضائع. وفي ظل هذا الواقع أصبح أكثر من 95 بالمائة من الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
أما معدلات الفقر فقد بلغت مستويات كارثية تتجاوز 90 بالمائة في بعض التقديرات مما يجعل الغالبية العظمى من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني وقبل العدوان كانت نسبة الفقر تتجاوز 63 بالمائة لكن الحصار المستمر والقيود المفروضة على الواردات حولت هذا الوضع إلى أزمة وجودية فالاعتماد على المساعدات الإنسانية أصبح واقعا يوميا لأكثر من مليوني نسمة ومع ذلك فإن تدفق هذه المساعدات يظل محدودا بفعل السياسة الإسرائيلية المتعمدة، إن عدد الشاحنات التي تدخل القطاع يوميا لا يتجاوز في أفضل الأحوال 200 إلى 300 شاحنة بينما يحتاج السكان إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً لتلبية الحاجات الأساسية من الغذاء والوقود والأدوية ومواد البناء وهو ما يؤكد تجاهل الاحتلال لتنفيذ المرحلة الأولى من بنود الهدنة ،
وخلال شهر مارس 2026 على سبيل المثال انخفض عدد الشاحنات الداخلة إلى أقل من 400 شاحنة في الشهر بأكمله في بعض الفترات مما يعكس استمرار الحصار رغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 هذه القيود ليست فنية بل سياسية بحتة تهدف إلى إبقاء الاقتصاد الغزي في حالة خنق مستمر.
وتتجلى الأبعاد الاجتماعية لهذا الواقع الاقتصادي في تفكك النسيج الاجتماعي نفسه فالبطالة المزمنة والفقر المدقع يؤديان إلى ارتفاع معدلات الاعتماد على المساعدات مما يولد شعورا باليأس والإحباط لدى أجيال الشباب الذين يجدون أنفسهم محرومين من أي أفق للتقدم أو الاستقرار ،كما أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسب تصل إلى 300 و400 بالمائة في بعض الفترات يجعل حتى السلع المتوفرة بعيدة عن متناول الأغلبية، وفي السياق الثقافي يؤدي هذا الانهيار إلى تراجع ملحوظ في الحياة الثقافية والتعليمية حيث دمر الاحتلال معظم المؤسسات التعليمية وأوقف الأنشطة الثقافية مما يهدد الهوية الجماعية للشعب الفلسطيني بفعل الضغوط الاقتصادية اليومية.
إن الإنسان الفلسطيني في غزة يواجه ليس فقط أزمة اقتصادية بل أزمة وجودية مركبة تهدد قدرته على الحفاظ على حياته وإرثه الحضاري.
سياسيا يمثل هذا الواقع نموذجاً للاستعمار الاستيطاني الحديث الذي يعتمد على السيطرة الاقتصادية كأداة للتهجير غير المباشر، فالاحتلال يدرك جيدا أن إبقاء غزة في حالة الاعتماد التام على المساعدات الخارجية يضعف المواطن ويحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى معركة بقاء يومية، ومع ذلك فإن الصمود الفلسطيني الذي يتجلى في قدرة السكان على إعادة بناء حياتهم رغم كل القيود يؤكد أن الاقتصاد المقاوم ليس مجرد شعار بل واقع يعكس إصرار الشعب على مواجهة آلة الحصار.
إن التقارير الدولية من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والبنك الدولي تؤكد جميعها أن هذا الانهيار ليس عرضيا بل نتيجة مباشرة للقيود الإسرائيلية على الواردات والصادرات وعلى حركة الأفراد والسلع.
وفي الختام يبقى الواقع الاقتصادي لغزة دليلاً دامغا على أن الحصار الإسرائيلي ليس مجرد إجراء مؤقت بل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى القضاء على أي إمكانية للتنمية المستقلة. إن الأرقام الصارخة للبطالة والفقر والانكماش الاقتصادي تطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية في رفع هذا الحصار الجائر. فبدون إنهاء الاحتلال وفتح المعابر وإعادة بناء البنية التحتية سيظل قطاع غزة يعاني من هذه الحالة المزرية التي لا تليق بإنسانية القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك فإن إرادة الشعب الفلسطيني في الصمود تبقى الضمانة الحقيقية لاستعادة الحقوق وإعادة بناء اقتصاد وطني مستقل يعكس طموحات الأجيال القادمة في الحرية والكرامة.