تحتاج غزة أكثر من أي وقت مضى لتحويل التضامن الموسمي، لحالة إسناد متصاعدة ومستمرة لاستعادة الحياة والتعافي من الإبادة، فكل خطوة في هذا الطريق هي نصرة حقيقية لغزة ولقضيتها العادلة، خاصة في هذه الفترة الحساسة والتي يدق فيها الاحتلال طبول الحرب مجدداً، سواء في مسعى لخلط الأوراق لاستمرار تهربه من الوصول للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار؛ أو بالفعل إن كان عازماً على تنفيذ عدوان حقيقي في إحدى الجبهات، يعمل على تهيئة الظروف له، وحياكة سردية وبناء مشروعية. وهو ديدنهم إشعال الحروب.
وسواء كانت مؤشرات التصعيد حقيقية، أم عمليات خداع للايهام والتخويف، وأداة ضغط لتحقيق المزيد من المكاسب، وفرض وقائع جديدة على قوى ودول الإقليم؛ إلا أن الثابت هو أن الواقع في غزة ما زال مأساوي، في ظل مماطلة الاحتلال، وانتهاجه سياسة "الحد الأدنى" الذي يبقي فيها الواقع في إطار مستمر من الاستنزاف، في شتى المجالات "الصحة، الخدمات، الإغاثة، الاحتياجات الأساسية..الخ" حيث لا يلبي احتياج حقيقي؛ بل يقدم مسكنات يزول أثرها سريعا.
أضف لذلك الخروقات المستمرة للاتفاق على أرض الواقع، والتي تنفذه القوات التي تحتل 53% من أراضي غزة، عبر القصف أو النسف وإطلاق النار العشوائي الذي لا يتوقف.
والذي كان نتيجته العشرات من الشهداء والجرحى، الذين لاحقتهم القذائف والصواريخ في المخيمات ومراكز الايواء، لتؤكد على حقيقة ثابتة، وهي أن حرب الإبادة الجماعية مستمرة باستراتيجية ووسائل جديدة، لا تقل بشاعة عن الأساليب السابقة؛ لكن الفارق الجوهري الآن خفوت التضامن، وانحسار موجة الرفض الأممية لجرائم الكيان، وهنا أقصد المتمثلة في التظاهر في الميادين والساحات والشوارع، فهذا التراجع له خطورة بالغة.
وتكمن خطورة ذلك، في إتاحة المجال واسعاً للاحتلال للمضي بتنفيذ سياساته العدوانية بكل حرية، في ظل منعه أصلاً الصحافة والإعلام الأجنبي من دخول غزة وتضييقه المتواصل على المنظمات الدولية العاملة في القطاع، وعلى رأس هذه الجرائم، مخطط التهجير القسري، من خلال منع عودة الحياة لأجزاء واسعة من القطاع المحتل والمحاصر؛ بل وملاحقة النازحين في بقايا البيوت التي سكنوها، أو الخيام والمخيمات التي لجؤوا إليها، لدفعهم لتقبل فكرة التهجير قسراً، وتشكيل ظروف مواتية لتنفيذ ذلك، تحت عناوين خادعة، كإجراء إنساني أو توفير فرص لحياة أفضل ..الخ
الاحتلال وعبر إجراءاته على الأرض سواء في غزة أو الضفة والقدس أو حتى في المنطقة والاقليم، ومن خلال تتبع تصريحات وحديث طيف واسع من قادته ومؤثريه. يرى فرصة تاريخية سانحة لإنهاء القضية الفلسطينية برمتها، وصولاً لإعادة رسم المشهد في المنطقة، والإدارة الأمريكية مندفعة هي الأخرى لتحقيق ذلك وإن كان بسياسات ظاهرها، أنها أقل عدوانية وأقرب للعقلانية، لكن عندما نمعن النظر، نجدها هي الأخرى تنطلق من منطلق صهيوني"أبوي لهذا الكيان" لتعمل على تحقيق ما فشل فيه بطرق ووسائل جديدة.
يحدث هذا في غياب دور حقيقي وملموس للوسطاء والدول الإقليمية الوازنة؛ إلا من محاولات رفض إعلامية خجولة وغير مؤثرة لا تتناسب مع حجم الجريمة، وصولاً لحالة تعايش مع الواقع، ورؤى تنطلق من محاولة تحصيل أي شيء من الاحتلال، وفق ما أظهره بيان الوسطاء والإدارة الأمريكية الأخير، حول المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار واستعدادات المضي للمرحلة الثانية، الذي لم يأتي بشكل واضح على خروقات الاحتلال الجوهرية واتسم بالكثير من الايجابية المنافية للواقع!
بكل أسى وأسف، هذا الواقع يشجع الاحتلال في المضي في تنفيذ خططه و سياساته العدوانية، التي رسمها هو وداعميه لأبعد من غزة، والتي تستهدف عواصم ودول المنطقة مجتمعة، عبر مشاريع طموحة، ظاهرها إعادة بناء غزة بمعايير ورؤى حديثة؛ لكن باطنها سعي محموم لنهب المزيد من الثروات، واخضاع الشعوب وادامة حالة الضعف والحاجة، وضمان تفوق نوعي مستمر للكيان على حساب دول وشعوب المنطقة.
لذلك اليوم يظهر جلياً أن غزة ليست قضية أهلها فحسب، أو حتى قضية الشعب الفلسطيني لوحده؛ بل حجر الزاوية، وساحة الصراع الأهم، والمعول عليها رغم جراحاتها، لكسر مشاريع الاحتلال وأوهام داعميه، لتطويع الشعب الفلسطيني وانهاء قضيتة العادلة وتجاوز شعوب المنطقة، ونهب ثرواتهم والاعتداء على حقوقهم، لذلك أي تراجع فلسطيني أو عربي أو عالمي في التضامن والإسناد، هو ضوء أخضر للاحتلال لاستمرار عدوانه، وهنا أقصد الشعوب و المؤثرين وقادة الرأي والقوى الحية، الذين يستطيعون ممارسة المزيد من الضغط على الحكومات خاصة تلك التي تشارك الاحتلال وتقدم له الدعم والتأييد. إن إفشال مشاريع الاحتلال، وتحقيق نصرة وإسناد حقيقي لغزة والضفة والقدس، مساران مرتبطان ببعضهما البعض، وهما ضرورة لضمان الأمن والإستقرار في المنطقة والعالم.