غزة ليست مجرد أرض محاصرة، بل تجربة صارخة لمدى هشاشة القيم التي طالما تباهى بها الغرب. الديمقراطية، حقوق الإنسان، حماية المدنيين، شعارات كانت تصدح في الخطاب، لكنها وجدت نفسها عاجزة أمام ما يحدث على الأرض: البشر يُعاملون كحيوانات، الأجساد تُهان، الحجر والشجر يُدمَّران، والأرواح تُسلب. ما حدث ليس مجرد عنف، بل اختبار صارخ لفكرة الإنسان كما فهمها العالم الغربي، وانكشاف الفجوة بين ما يرفع كراية وما يُمارس بالفعل.
وفي الوقت نفسه، ظهرت وثائق إبستين، ليست مجرد كشف عن فساد شخصي، بل مرآة تكشف هشاشة المنظومة الغربية برمتها. النخب، التي طالما تحدثت عن القيم والأخلاق، وُجدت متورطة، فجأة لم يعد بالإمكان القول إن هناك من يملك التفوق الأخلاقي على أي طرف آخر. وهنا تتحول الصدمة من غزة، التي تكشف عن الانتهاك الخارجي، إلى الصدمة الداخلية التي تُعمّم الانتهاك وتضع العالم كله أمام سؤال: من يستطيع أن يرفع شعاراته بلا عار؟
ليس من عبث أن تأتي هذه الوثائق في هذا التوقيت. فقد ارتفع رصيد السردية الفلسطينية في أوساط الجيل الجديد في الغرب، وبدأت تتشكل لديه صدمة أخلاقية من الانتهاكات في غزة. فجأة يجد هذا الجيل أن قياداته، التي تربى عليها، لا تختلف جوهريًا عن إسرائيل نفسها، وأن القيم التي وضعها نصب عينيه ليست رادعة لأحد. وهنا يمكن للوثائق أن تتحول، مثلما كانت وثائق ويكليكس في الشرق، إلى شرارة لإعادة النظر في الداخل الغربي، لا بوصفها مجرد فضيحة، بل كإشارة صادمة تؤدي إلى وعي جماعي، وربما إلى رفض للفساد والازدواجية، وربما إلى تغييرات حقيقية في موازين القوة الفكرية والاجتماعية.
تصريحات نتنياهو تأتي لتربط كل شيء بسلاسة مؤلمة. حين يقول إن المعركة مع إسرائيل هي معركة مع الغرب نفسه، ويطالب الغرب بحمايتها، فهو لا يهدد فحسب، بل يصف واقعًا: الهدم الأخلاقي شامل، وليس هناك من يمتلك التفوق الأخلاقي لرفع السقف. إسرائيل لا تطلب البراءة فقط، بل تجعل من الهدم الجماعي للقيم غطاء لصورتها، بحيث يبدو العالم بأسره غارقًا في الازدواجية والنفاق، ولا أحد يملك القدرة على المحاكمة أو النقد الفعلي.
الخطر الأكبر يكمن في الطريقة التي تُدار بها هذه الانكشافات. الجيل الجديد الذي بدأ يتعاطف مع فلسطين ويؤمن بالعدالة يصطدم فجأة بالواقع: لا أحد أفضل من الآخر، لا أحد يمتلك الحق الكامل في رفع السقف الأخلاقي، ولا أحد يستطيع أن يحمي القيم التي صار الهدم علامة واضحة على هشاشتها. غزة كشفت ما جرى في الخارج، والوثائق كشفت ما كان مخفيًا في الداخل، والخطاب السياسي حاول أن يجمع المشهدين في سردية واحدة تقول إن العالم هكذا، وإن البحث عن العدالة ضرب من السذاجة.
لكن هنا يكمن الجانب الاستشرافي. كما كانت وثائق ويكليكس محركًا للربيع العربي، فإن هذه الوثائق الجديدة تحمل إمكانية إعادة توجيه وعي الغرب نفسه. قد لا تتحول الصدمة إلى انتفاضة مباشرة في الشارع، لكن يمكن أن تولّد إعادة قراءة أخلاقية وسياسية، تحدّي النخب، وتشكيل مشروع وعي جديد، ربما أقوى من أي احتجاج عابر، لأنه يبدأ في عقول من تربوا على مبادئ صاروا يدركون هشاشتها. غزة، إبستين، وخطاب إسرائيل معًا تشكّل لوحة متكاملة لهدم القيم داخليًا وخارجيًا، لكنها تترك للوعي فرصة للاستيقاظ، للتمييز، وللتساؤل عن الطريق الذي يمكن أن يبنى من الركام.
غزة، رغم كل الخراب، ليست مجرد مأساة، ولا الوثائق مجرد فضيحة. كل هذه اللحظات، معًا، شهادة على هشاشة القيم، لكنها أيضًا دعوة للتأمل: إذا انهارت المؤسسات الأخلاقية والسياسية، إذا بدا العالم كله غارقًا في الهدم، فهل يمكن إعادة بناء مشروع أخلاقي جديد؟ هل يمكن تحويل الصدمة إلى وعي، والوعي إلى فعل؟ ربما لا إجابة سهلة، وربما لا طريق سريع، لكن غزة موجودة، والشهادة باقية، والفرصة في أن يبقى السؤال حيًّا، حتى لو بدا الجميع غارقًا في الظلام.