طالعت كما الكثيرين الأنباء التي أوردتها صحيفة "الغارديان" والتي جاءت في مسودة قرار مسربة من أحد اجتماعات ما بات يعرف بمجلس السلام الذي شكله الرئيس الأمريكي ترامب. حيث جاء في الوثيقة، بأن مجلس السلام المدعوم من الأمم المتحدة، يخطط لإصدار قرار يمنح نفسه حصانة قانونية شاملة. كما يخطط لإضافة بند آخر يسمح بالاستحواذ على الممتلكات العامة في غزة دون أي مقابل مادي. وفي تفاصيل المسودة جاء ذكر قرارات ذات صلة، مثل توفير حصانة مطلقة أمام النظام القضائي في غزة، وتوسيع دائرة المحصنين قانونياً لتشمل كل العاملين في مجلس السلام وإدارة الممثل السامي وأعضاء لجنة التكنوقراط والمقاولين الأجانب وغيرهم من العاملين.
إن هذه القرارات لتفتح تساؤلات عدة؛ أبرزها لماذا يستهل مجلس السلام عمله بتحصين نفسه؟ وهل هناك ما يخشاه العاملون في غزة مستقبلاً؟
فمن البديهي أن الهيئة الدولية المشكلة حديثاً والمعروفة بمجلس السلام ستنصاع للقرارات الدولية والبرتوكولات الإنسانية التي تحكم العمل في قضايا الصراع والحروب، خاصة وأن فلسطين فعلياً قد نجحت في انتزاع عدد من القرارات الدولية التي تنادي بضرورة تمتع الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال على أرضه، وقد جرمت أغلبية دول العالم مصادرة الأراضي والاعتداء على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي. أم أن مجلس السلام يعمل على تجاوز هذه الأساسات نحو رؤية جديدة منحازة للاحتلال الإسرائيلي؟
إذ أن المجلس أثبت بدعوته لتجاوز وكالة الأونروا بأنه مجلس منحاز للاحتلال الإسرائيلي ويعمل على تجميل صورته بعد عامين ونيف من الإبادة الجماعية والتجويع في قطاع غزة والتطهير العرقي ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية. إن تجاوز دور منظمة أممية بأهمية "أونروا" والدعوى لإيجاد بدائل لهذه المنظمة يؤسس لمرحلة خطيرة من العدوان والانتهاكات لأبسط حقوق الشعب الفلسطيني والتي كفلها القانون الدولي حتى يومنا هذا وتوافقت عليها غالبية شعوب ودول العالم.
يعد هذا التحصين المنوي اتخاذه والذي يسبق عمل مجلس السلام موضع شك وارتياب، وهو يكشف نوايا مبيتة للقفز عن الإجماع الدولي، نحو تمرير واقع غير قانوني استناداً للقوة الغاشمة، ويشير إلى أن مجلس السلام إنما هو واجهة تستخدم لتمرير أهداف ورؤى الاحتلال الإسرائيلي، خاصة تلك المتعلقة بالتهجير وشطب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
كان الأولى بمجلس السلام أن ينحاز للقانون والعدالة، ويسارع في رفع الظلم عن المظلومين في قطاع غزة بعد حرب الإبادة الجماعية التي راح ضحيتها آلاف العائلات من الأبرياء يتقدمهم آلاف الأطفال والنساء والشيوخ، خاصة وأن هذه المعاناة لم تتوقف، ففصولها مستمرة وتفاعلاتها متواصلة، في ظل سعي الاحتلال الإسرائيلي لإدارة المعاناة ضمن رؤية استراتيجية تهدف لانجاح مشروع التهجير القسري.
ولربما كان الأمر أبعد من ذلك، على اعتبار بأن جرائم الاحتلال الإسرائيلي وداعميه، وما نتج عنها من سقوط آلاف الضحايا شهداء ومئات آلاف الجرحى تستدعي رفع قضايا دولية ووطنية أمام المحاكم. الأمر الذي قد يدفع الكثير من الناس لعدم الرغبة في الانضمام إلى مساعي دولية تناصر الاحتلال الإسرائيلي وتشرعن مصادرة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، فيأتي هذا التحصين كبوليصة تأمين يمكن الاتكاء عليها في تشجيع الجهات والأفراد لدعم جهود مجلس السلام في غزة، إضافة لاعفائهم من أي جرائم قد ترتكب مستقبلاً باسم السلام في قطاع غزة المحاصر. الأمر الذي يستدعي يقظة فلسطينية أولا باعتبار الشعب الفلسطيني هو صاحب السيادة على أرضه وفي وطنه، ويستدعي مآزرة ومساندة من عمقنا العربي والإسلامي وأحرار العالم في رفض مشاريع تصفية القضية الفلسطينية والتي لا تخدم سوى مصالح الاحتلال الإسرائيلي وتعزز بقاء الصراع في المنطقة.