في ظل استمرار حرب الإبادة المتوحشىة بغرض الانتقام في غزة مع غياب رؤية دولية عادلة تكسر حالة الجمود السياسي، وتآكل البدائل، وتنامي الكلف الأمنية والإنسانية نتيجة تجاهل حقائق الميدان ومعادلات القوة المحلية. من هنا، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة سياسية أكثر واقعية وبراغماتية، تقارب الحالة الفلسطينية وبخاصة في غزة ، بعين المصلحة الإقليمية والدولية، على نحو ما جرى التعامل به في كل من أفغانستان وسورية.
إن السياسة الأمريكية لطالما اعتمدت على مقاربة "إدارة الصراع" بدلاً من "حله"، منطلقة من أبعاد أمنية وتحالفات مع فواعل إقليمية.
غير أن ما أنتجته سنوات طويلة من الحصار والتصعيد والانقسام الداخلي الفلسطيني بات يشير إلى أن هذا النهج لم يعد مجدياً، لا من حيث ضبط الأمن، ولا من حيث حماية المصالح الاستراتيجية الإقليمية والدولية، ولا حتى من حيث احتواء الظواهر الناشئة المحتملة في الإقليم نتيجة استمرار حالة الجمود وعدم توفر الإرادة الجادة لدى الأمريكي لتسوية الصراع بشكل واقعي وعادل.
اليوم برأي الكثيرين، ثمة فرصة لمقاربة أكثر توازناً ترتكز إلى الحقائق التالية:
أن الفاعلون المحليون في غزة أثبتوا رسوخهم في بنية الحكم والمجتمع، بالرغم من حجم الخسائر التي مُني بها الفلسطينيون على كافة الصعد.
إلاّ أنّه؛ لا يمكن لعاقل تجاهلهم كونهم جزء أصيل من المعادلة، وهذا يفرض نفسه بالضرورة على صنّاع القرار الإقليميين و الدوليين بحتمية الانخراط في بناء صيغ جديدة تتواءم مع الواقع الذي فرضته الإرادة الفلسطينية على الطاولة.
تماماً كما اضطرت واشنطن لاحقاً للاعتراف بحتمية التفاوض مع طالبان، ليس حباً ولا اقتناعلً فيها، بل لأن فشل الاستراتيجيات البديلة فرض ذلك وهو نفس الواقع الماثل في غزة بعد أكثر من 17 عام مضت من الإقصاء والحصار والقتل والتجويع والتعطيش والإبادة.
أضف إلى ذلك الفشل المتكرر في فرض رؤية سياسية عادلة تفضي لوقف الهجمة الانتقامية الغير متكافئة والممتدة التي تقودها عقلية متطرفة بلا انسانية، والمؤسف أنها تنتقم من العزّل بدعم أمريكي لامتناهي.
وبالتالي إنّ استمرار الفشل في تقديم رؤية سياسية من شأنها تبديد ذرائع القتال الدائر المتمثلة بالقتل اليومي والتوسع الإحلالي في الأراضي الفلسطينية بات يُضعف صورة واشنطن كوسيط نزيه، وتخلق فراغاً جيوسياسياً ستملؤه بالضرورة قوىً غير مرغوب فيها أمريكياً، ما يهدد بطرح صيغ خارج إطار التوقعات تفضي لمزيد من تعقيدات المشهد وتعثّر سبل الحل.
وهنا يمكن القول بأن الاتفاق المشروط مع الفاعلين المحليين في غزة، ضمن رؤية متدرجة تضمن ضبط الأمن وتكامل الاقتصاد وإعادة الإعمار مقابل التهدئة والانفتاح السياسي والاقتصادي من خلال الدمج ضمن مشاريع الطرق التجارية البديلة يمكن أن يصنع نموذج "التهدئة من الداخل"، كما جرى بشكل مشابه في كل من أفغانستان وسورية بالرغم من التباين بين تلك الحالات إلاّ أنها تشترك في حالة الجمود الممتدة قبل الحل.
وما يمكن الإستفادة منه عبر المرور بتجارب سابقة في الإقليم هو أن؛ تفكيك الحركات المسلحة والمؤدلجة لا يتم عبر الاستئصال وتوظيف موارد القوة التقليدية "الصلبة" بل عبر إعادة تعريف الدور السياسي ضمن قواعد اللعبة، وهنا باعتقادي يمكن لأمريكا التفكير بتوفير ضمانات دولية أكثر واقعية وتتيح مشاركة الفاعلين الفلسطينيين في النظام الإقليمي من بوابة التهدئة والتعاون، لا الصراع والمقاطعة.
هذه المقاربة برأيي لا تعني الهزيمة المطلقة بل الاعتراف بأن الجمود مكلف، وأن الواقعية السياسية تقتضي لإعادة تشكيل أدوات التأثير، واحتواء القوى الصاعدة ضمن هندسة أمنية وسياسية عادلة وأكثر مرونة.
وكما يعتقد غالبية منظري السياسة أن واشنطن تملك من الأدوات ما يسمح لها بتوجيه هذا التحول، إن هي قرأت مصالحها لا من زاوية العواطف الأيديولوجية أو ضغوط الحلفاء فقط، بل من زاوية الاستقرار الطويل الأمد وتقليص التهديدات غير المتكافئة.
وعليه يجدر الذكر أنه آن الأوان لإعادة تعريف "الطرف القابل للشراكة" لا على أساس الرغبة المجردة، بل على أساس الفاعلية في الأرض.
وهنا أشير لضرورة تبني أطرافاً إقليمية مثل: "تركيا، مصر، قطر" وحتى "المملكة العربية، والإمارات المتحدة" دوراً دبلوماسياً ميسّراً وموازناً يعود عليها وعلى الإقليم بالنفع الاستراتيجي، ويجنب المنطقة صراعات ممتدة لا طائل لشعوب المنطقة ولا حتى أطراف الصراع الدوليين بها.
فإذا كانت "حركة طالبان" قد أصبحت شريكاً ضرورياً لمنع انهيار أفغانستان، وإذا أمكن إدارة توازن مع "هيئة تحرير الشام" لتحييد التهديدات الإرهابية.
فما الذي يمنع صياغة معادلة واقعية في غزة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة، تكون فيها لغة المصالح والسياسات أكثر حضوراً من لغة الإقصاء والعزل والإبتزاز بتأجيج الصراع تارة وإدارته تارة أخرى دون تحقيق نتائج سياسية مجدية ؟
في ظل أن التحولات الإقليمية والدولية لم تعد تحتمل التعاطي مع قضايا الصراع بالارتكاز إلى أدوات الأمس التي لا تصلح لبناء سلام وأمن دوليين بما يخدم مصالح كل الفاعلين.
أعتقد أنّه آن الأوان للانخراط الجاد في بناء صيغ سياسية بناءة من شأنها وقف نزيف الدم وتثبيت الفلسطيني في أرضه، وكذلك تعزيز التنمية والازدهار في المنطقة على طريق إعادة الاعتبار للقضية ودفع الأطراف الفاعلة في المنطقة والعالم لضرورة دعم جهود الاستقلال، وتقرير المصير.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التحلل والانعتاق من حالة التوظيف والاستهلاك و التبعية الخارجية إن كانت مباشرة أو غير مباشرة لضمان تحقيق تلك الطموحات الواعدة.