يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات وحتى يومنا هذا محاولات إعادة تشكل عميقة في تصوّراته ومقارباته تجاه التعاون الإقليمي، في ظل تحولات دولية متسارعة، ومحاولات قوى كبرى إعادة هندسة علاقات المنطقة بهدف تأسيس ما يُروَّج له باعتباره *"شرقاً أوسط جديداً"*. ويبرز في هذا السياق الدور الأمريكي إلى جانب إسرائيل، حيث تعمل هذه القوى على طرح صيغ تعاون قد تبدو في ظاهرها داعمة للاستقرار والتنمية، لكنها ما زالت محل نقاش حول مدى انسجامها مع أولويات شعوب المنطقة واحتياجاتها الفعلية.
وهنا يجدر الإشارة إلى أن التجارب التاريخية في ذات الإطار تشير إلى فشل أي نموذج للتعاون الإقليمي ما لم ينبثق من الإرادة المحلية ودفء البيئة الجغرافية والثقافية ذاتها. فالتجارب التاريخية في الأربعينات والخمسينات، بما في ذلك محاولات إنشاء مجالس اقتصادية ومنظمات دفاعية مشتركة بمشاركة قوى خارج الإقليم، لم تحقق الاستدامة نظراً لغياب القبول الشعبي والنخبوي، ولأنها لم تُبنَ على احتياجات واقعية ومصالح متوازنة بين الأطراف المعنية.
وعليه فإن تاريخ المنطقة يؤكد أن التعاون القائم على اعتبارات جيوسياسية خارجية دون مشاركة فاعلة من مكونات الإقليم وشعوب المنطقة غالباً ما يُفضي إلى توترات وفوضى بدل الاستقرار. وبالتالي نلاحظ أنه في المحطات التي تراجعت فيها الإرادة الإقليمية المستقلة، تعززت التدخلات، ووجدت بعض القوى فرصة لإعادة صياغة الأدوار والموازين، ما أدى إلى إضعاف منظومات العمل العربي الإسلامي المشترك وتراجع قدرتها على حماية مصالح شعوب المنطقة ومستقبل شبابها.
لذا باعتقادي أن المرحلة الراهنة تبدو فرصة للتفكير في نماذج تعاون تستند إلى أسس عملية، خاصة مع انفتاح بعض الدول العربية والإسلامية على مسارات جادة تتضمن أبعاداً اقتصادية موازية للمسارات السياسية ولكن دون تجاوز لقضايا المنطقة المركزية وعلى رأسها "تحقيق المصير الفلسطيني".
بينما يعتقد بعض الباحثين أن هذا الانفتاح قد يسهم في تهيئة بيئة أكثر استقراراً للتفاوض وتعويض كلفة الصراع، فيما يرى آخرون أن أي تعاون لا يضمن الحقوق العادلة للشعوب وتحديداً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سيبقى هشّاً معرّضاً للتآكل، وبالتالي العودة إلى مربعات الصراع العدمي.
وعطفاً على ما سبق فإنه ومن خلال تسليط الضوء على الرؤية الأمريكية نحو اعادة تشكيل الشرق الأوسط، التي تتضمن أربع دوائر مترابطة، يراد لها أن تنطلق من الدول المعنية مباشرة بالقضية الفلسطينية (إسرائيل، الأردن، السلطة الفلسطينية)، وتتمدد إلى دول عربية محورية، ثم دول جوار أوسع أهمها: تركيا ودول الخليج وربما إيران لاحقاً وهو ما يتم الترتيب له في الغرف المغلقة وهذا لم يعد سرّاً. بينما يقابل هذه الدوائر مستويات للتعاون تشمل سوقاً مشتركة، ثم منطقة تجارة حرة، تليها ترتيبات أمنية، وصولاً إلى اتفاقات متعددة القطاعات تشمل الطاقة والمياه والزراعة والسياحة *إلا أن تلك المقاربات المطروحة تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتوازنات القوة واعتبارات الأمن الإقليمي. سيما أن نجاح أي "صيغة تعاون" يكون مشروط بتحقيق اتفاق سياسي متوازن يحفظ الحقوق، ويمنع تكريس الهيمنة، ويضمن توزيعاً عادلاً للمسؤوليات والمكاسب.*
وهذا بالضرورة يتطلب رؤية عربية إسلامية بشكل عاجل تكون فاعلة وقادرة على تقديم بدائل واقعية تجنب بدورها المنطقة الفراغ الذي يسمح بإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤى لا تعبّر عن طموحات شعوبها، ومستقبل أبنائها.
ختاماً، يمكن التنويه أن مستقبل التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط سيبقى رهناً بقدرة دول المنطقة على صياغة رؤية مشتركة تعكس مصالحها، وتجمع بين الأمن والتنمية واحترام إرادة شعوب المنطقة، بعيداً عن الإقصاء أو الاستقطاب أو القبول بفكرة الوصاية الخارجية. كون أن الشعوب لا تتحمل مسؤولية الإنزلاق نحو عدمية الصراع هذا من جانب، ومن جانب آخر إن الإقليم بما يملكه من المقومات والفرص يؤهله ذلك لبناء شراكات متوازنة، إذا ما توفر المناخ السياسي والإرادة الاستراتيجية التي تُعلي من شأن الاستقلالية والعدالة والتعاون الحقيقي الذي يخدم مستقبل المنطقة والأجيال القادمة على قاعدة التمسك بالحقوق السياسية التي أقرتها القوانين الدولية بشأن القضايا الإقليمية المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.