في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وإنسانية معا، غادر 57 موظفا دوليا قطاع غزة بعد انتهاء مهلة تجديد التراخيص التي حددتها سلطات الاحتلال، ضمن قرار شمل تقليص عمل 37 مؤسسة دولية ومنع إدخال بدلاء للكوادر المغادرة، بما في ذلك منظمة أطباء بلا حدود. هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي الأوسع للحرب والحصار وإعادة تشكيل المشهد الإنساني في القطاع.
*أولًا: تسييس العمل الإنساني*
من الناحية السياسية، يعكس القرار توجهًا نحو إحكام السيطرة على المجال الإنساني، عبر تقليص الفاعلين الدوليين وإخضاع نشاطهم لاعتبارات أمنية وسياسية مشددة. هذا التوجه يطرح تساؤلات حول حدود الفصل بين الإنساني والسياسي في بيئة صراع معقدة، حيث تتحول المساعدات إلى أداة ضغط وإدارة أزمة بدل أن تكون استجابة محايدة للاحتياجات.
إن تقليص عدد المؤسسات ومنع إدخال بدائل للكوادر المغادرة يعني عمليًا تقليص القدرة التشغيلية للقطاع الصحي، في وقت تشير فيه مسؤولة "أطباء بلا حدود" كلير نيكولي إلى أن المنظمات كانت بالكاد تلبي جزءاً محدودا من الاحتياجات المتفاقمة أصلًا.
*ثانيا: المنظومة الصحية بين الإنهاك والانهيار*
المنظومة الصحية في غزة تعاني منذ سنوات من نقص مزمن في الأدوية والمستلزمات، وتدمير البنية التحتية، وضغط هائل نتيجة أعداد الجرحى والمرضى. ومع مغادرة هذا العدد من الكوادر الدولية، يتزايد خطر الانهيار الشامل، خصوصا مع التحذيرات من أن مخزون الأدوية في بعض المستشفيات لا يكفي إلا لأيام قليلة.
سياسيا، يشكل هذا الواقع ضغطًا مضاعفًا على المجتمع الدولي:
* من جهة، يضعف الحضور الدولي الميداني، ما يقلل من الشهود الدوليين على الواقع الإنساني.
* ومن جهة أخرى، تتراجع القدرة على الاستجابة السريعة للحالات الطارئة والأوبئة والأمراض المزمنة.
*ثالثا: إعادة هندسة المشهد الإنساني*
تقليص 37 مؤسسة دولية لا يُفهم فقط كإجراء إداري، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة هندسة المشهد الإنساني في غزة، سواء عبر تقليص الفاعلين أو حصر قنوات الدعم في مسارات محددة. هذا يفتح الباب أمام احتمالات متعددة:
* زيادة الاعتماد على فاعلين محليين بقدرات محدودة وإمكانات مستنزفة.
* تدويل سياسي أوسع للملف الصحي في المحافل الدولية.
* تصاعد الضغوط الحقوقية مع توثيق أثر القيود على الحق في الصحة والحياة.
*رابعا: التداعيات الاستراتيجية*
إذا استمر هذا النهج، فإن غزة قد تدخل مرحلة "الفراغ الإنساني المنظم"، حيث تبقى الخدمات عند الحد الأدنى الذي يمنع الانفجار الكامل، لكنه لا يسمح بالتعافي أو الاستقرار. في هذه الحالة، يصبح القطاع رهينة إدارة أزمة طويلة الأمد بدل حل جذري للأسباب السياسية للصراع.
إن حرمان السكان من خدمات صحية أساسية في ظل تزايد الأمراض والحالات الطارئة لا يُعد مجرد أزمة إنسانية، بل تحوّلًا خطيرا في قواعد إدارة الصراع، حيث يُستخدم المجال الصحي كورقة ضمن معادلة الضغط السياسي.
ما يجري في غزة اليوم ليس فقط تقليصا لمؤسسات دولية، بل اختبارا حقيقيا لمفهوم الحماية الدولية للمدنيين في أوقات النزاع. ومع تآكل قدرة المنظومة الصحية على الصمود، يبقى السؤال المركزي:
هل يتحرك المجتمع الدولي لفرض مساحة إنسانية مستقلة ومحايدة، أم يستمر تراجع الحضور الدولي تاركا غزة تواجه مصيرا صحيا مجهولًا تحت ضغط السياسة