لم تعد القضية الفلسطينية مجرد نزاع جغرافي أو سياسي، بل أصبح اختبارًا أخلاقيًا واستراتيجيًا عالميًا، وأضحت أحداثه محطة لتشكيل وعي الأجيال الجديدة، وخصوصًا جيل Z، الذي نشأ في بيئة رقمية متصلة مباشرة بكل حدث وصورة، يمتلك قدرة غير مسبوقة على التحليل الأخلاقي والفعل الرقمي المباشر. لقد جاء طوفان الأقصى ليكون لحظة فارقة، ليس فقط لأنه أظهر صمود الفلسطيني المقاوم الذي يسعى لاسترداد حقوقه المسلوبة وإقامة الحرية، بل لأنه كان نتاجًا مباشرًا لجيل Z الفلسطيني، الجيل الذي تولّى قيادة الفعل الميداني، وكتب الأحداث التاريخية بأفعاله، محققًا ثورة عملية ضد الاحتلال والظلم المستمر، وأثبت أن المقاومة الحقيقية ليست مجرد سلاح، بل قيم وأخلاق وصمود.
هذا الجيل لم يكتفِ بالمقاومة الميدانية، بل جعل من الفعل ذاته رسالة سياسية وأخلاقية إلى العالم، ونجح في كشف هشاشة الرواية الغربية الداعمة لإسرائيل أمام صمود الفلسطيني وصموده الأسطوري، ما أظهر أن الشرعية الأخلاقية والفعل الميداني يمكن أن يوازنا الهيمنة الإعلامية والسياسية. في الوقت ذاته، لعب جيل Z الغربي دورًا محوريًا، إذ رفض الرواية الإسرائيلية التي ورثها عن آبائه وتاريخهم السياسي المغلوط، وكشف زيف الادعاءات الرسمية، وارتقى ليصبح الفاعل الأخلاقي والسردي الذي يحوّل التعاطف إلى ضغط سياسي ملموس، ويضع الحكومات الغربية، وخصوصًا الأمريكية، أمام مسؤولية حقيقية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية.
إن قوة هذه اللحظة التاريخية تكمن في التلاقي بين الجيلين من جيل Z: الفاعل الميداني الفلسطيني، والفاعل الأخلاقي الغربي. معًا شكلا قوة مزدوجة، حيث يحرك الفلسطيني الحدث على الأرض، فيما يحرك الغربي الرأي العام العالمي والسياسات الدولية، وهو ما أعطى فلسطين فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة السردية العالمية حولها، وكسر احتكار إسرائيل للرواية الإعلامية والسياسية.
في ظل هذه الظروف، تصبح الحاجة إلى قيادة وطنية انتقالية ملحة أكثر من أي وقت مضى، قيادة تجمع بين المقاومة، والقوى المدنية، والكوادر المهنية في القانون، الاقتصاد، الدبلوماسية، والإعلام الدولي، لتتمكن من إدارة المرحلة القادمة بحكمة شمولية. فلسفة “اليوم التالي” التي تحكم هذه القيادة ليست مجرد مرحلة مؤقتة، بل مشروع استراتيجي متكامل يشمل إدارة الواقع الفلسطيني داخليًا لضمان الصمود ومنع أي مشروع وصاية خارجية، وتحويل الانكشاف الأخلاقي لإسرائيل إلى مسار قانوني عالمي، وصياغة خطاب عالمي بلغة جيل Z لتحويل التعاطف الأخلاقي إلى ضغط ملموس، وإعادة بناء الوحدة الفلسطينية من غزة إلى الضفة والشتات ضمن مشروع وطني مستدام.
مع ذلك، تواجه هذه الفلسفة أعداء بنيويين يتمثلون في الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي يعرقل توحيد المؤسسات ويضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، والبيئة العربية الرسمية التي غالبًا ما تميل للاحتواء بدل دعم المشروع الوطني، والتدخلات الإقليمية المتصارعة التي تحول غزة إلى ساحة نفوذ وتشتت الموارد والجهود، ما يجعل إدارة اليوم التالي أكثر تعقيدًا ويستدعي تصميمًا استراتيجيًا دقيقًا.
هنا يظهر الدور المركزي لجيل Z، بكل أبعاد قوته: ليس فقط لكسر احتكار السردية الإسرائيلية أمام المؤسسات الغربية، بل لتعزيز الضغط الأخلاقي والسياسي وتحويل التعاطف العالمي إلى فعل ملموس، ولتخفيف تأثير الانقسامات الفلسطينية عبر توحيد الرؤية الأخلاقية والسياسية حول القضية. لقد أثبت طوفان الأقصى أن الجيل الفلسطيني المقاوم وجيل Z الغربي الواعي أخلاقيًا يمكن أن يشكلا قوة ثورية مزدوجة، تجمع بين الفعل الميداني، والصمود الأسطوري، وبين السرد الرقمي والتحرك الأخلاقي الدولي، ما يخلق فرصة غير مسبوقة لإعادة تشكيل السردية الفلسطينية عالميًا، وكسر الاحتكار الإعلامي والسياسي، وإعادة تعريف فلسطين كرمز عالمي للعدالة والصمود.
بالإضافة إلى ذلك، كانت العملية محطة لتجسيد حقيقة جوهرية: أن الفلسطيني المقاوم لا يبحث عن الانتصار العسكري وحده، بل عن استرداد حقوقه المسلوبة، وتحقيق الحرية الحقيقية لشعبه. وقد جعل هذا الانكشاف الفلسطيني الثابت الرواية الغربية والإسرائيلية تنهار أمام الرأي العام العالمي، وخصوصًا أمام الأجيال الجديدة، التي باتت ترى القضية الفلسطينية في ضوء القيم الأخلاقية والعدالة والحقوق الإنسانية. إن هذه الأرضية الأخلاقية، التي نشأت من خلال التفاعل المباشر مع الحدث، هي ما يجعل جيل Z أداة ضغط عالمي مباشر، وقوة فكرية وأخلاقية قادرة على تحويل الانحياز الأخلاقي إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة.
في هذه اللحظة التاريخية، تصبح القيادة الوطنية المقاومة وفلسفة اليوم التالي الشمولية الوسيلة الأهم لتحويل الانحياز الأخلاقي العالمي إلى مسار وطني مستدام للحرية والحقوق الفلسطينية، بعيدًا عن الوصاية الخارجية والانقسامات الداخلية، وجعل فلسطين رمزًا عالميًا للصمود والعدالة، فيما يتحقق تلاقي الفعل الميداني للفلسطينيين مع القوة الأخلاقية العالمية لجيل Z الغربي، ليصبح صراع فلسطين قضية أخلاقية واستراتيجية ثورية في آن واحد، تفتح صفحة جديدة في التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية.