إن اعتداء بحرية الاحتلال الإسرائيلي قبل أيام على مئات النشطاء المشاركين في "أسطول الصمود" خلال مسيرته الإنسانية نحو غزة، وما تبعه من أحداث وتحركات عالمية وإقليمية، قد كشف الكثير من القضايا المستورة والمسكوت عنها، بل ووضع دعاة الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان في زاوية المتهمين! فكيف حدّث ذلك؟
لقد تحرك المئات من المتضامنين والنشطاء من مختلف دول العالم؛ إذ لم يعودوا يطيقون تحمل سياسات التجويع والقتل والإبادة الجماعية التي يتعرض لها مليونا غزّي منذ ثلاثة أعوام، في ظل غياب أي بوادر حقيقية لمحاسبة المجرم! وهؤلاء النشطاء ينتمي غالبيتهم إلى النخب المثقفة والشرائح المحترمة في مجتمعاتهم، وبالتالي فهم يفهمون جيداً القوانين والمعاهدات التي تحمي الإنسان وتدافع عن البشر بعيداً عن أي نزعات أخرى، مثلما يعرفون تفاصيل قانون البحار وكيفية تطبيقه والاستناد إليه لحماية النفس البشرية.
وبالارتكاز على ما سبق، ترك هؤلاء الأحرار أعمالهم ومؤسساتهم، وقرروا الانتصار لإنسانية أهالي غزة المنكوبين؛ فركبوا البحر وحملوا ما استطاعوا من أدوية ومستلزمات طبية مساعدة للجرحى والمرضى، وهي أدوات يفتقدها مرضى غزة الذين وصل صدى أنين أوجاعهم إلى كل بقاع الدنيا، دون مجيب سوى هؤلاء النشطاء الذين قرروا تسجيل أسمائهم في سجل الشرف، رغم إدراكهم المسبق لمآلات خطوتهم، لا سيما في ظل مواجهتهم لفاشية الاحتلال الإسرائيلي المجرم.
مضى النشطاء الأحرار يواجهون الأمواج المتلاطمة في عرض البحر، لا يلتفتون وراءهم، وبوصلتهم غزة؛ إذ وجدوا أن كسر الحصار عنها هو مهمة إنسانية يجب أن يضطلع بها كل شخص في العالم، سواء أكان سياسياً أم مواطناً عادياً، ما دام يتحلى بالقيم التي تحترم الإنسان كإنسان بغض النظر عن عقيدته أو موطنه.
لكن الكيان الفاشي لم يمهل أولئك النشطاء كثيراً، فمارس القرصنة العلنية ضد قواربهم بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة، واعتدى عليهم بكل أشكال التنكيل؛ فلم تكن لديه أي خطوط حمراء، واقترف انتهاكات مهينة وألحق بهم الأذى بالضرب العنيف الذي أفضى إلى تكسير أضلاع وإحداث رضوض وكدمات لعشرات النشطاء المدنيين السلميين.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الهجوم تم بتوجيه من أعلى المستويات داخل الكيان، وبمشاركة وزراء من الحكومة أبرزهم المتطرف "إيتمار بن غفير"، مع التبجح بتصوير تلك الانتهاكات ونشرها.
وعندما تناقلت وسائل الإعلام العالمية ما جرى، ثارت المستويات الرسمية الدولية خلال ساعات معدودة، وانتقلت سريعاً من ميدان "التصريح" إلى ساحة "الفعل"؛ فما جرى بحسب تفكيرهم أمر لا يتخيله عقل. ووصل الحد إلى أن 24 دولة استدعت السفير الإسرائيلي لتوبيخه بسبب الإهانة التي وجهها بن غفير لنشطاء السلام، في حين طالب 29 نائباً في الاتحاد الأوروبي بإدراج "بن غفير" ضمن قوائم عقوبات حقوق الإنسان.
ورغم رضوخ الاحتلال وخضوعه للضغط العالمي، وقيامه بإطلاق سراح ناشطي الأسطول البالغ عددهم 428 مشاركاً وترحيلهم، إلا أن ارتدادات الحدث لا تزال متواصلة.
إن هذا الحدث -رغم إيجابيته على صعيد حماية الأنظمة الرسمية للنشطاء الذين ينتمون إليها- قد كشف عن مفارقة صارخة في التعامل الغربي مع الإنسان؛ فحينما يكون الإنسان حاملًا لجنسية أوروبية، يمكن إنقاذه والانتصار له في غضون ساعات، بينما حين يكون الإنسان فلسطينياً من غزة، يعجز العالم بأسره عن نصرته ونجدته، وذلك رغم أن حجم الألم والظلم قد وقع على الطرفين: المواطن الغزّي والناشط الغربي!
إن ما جرى من عنجهية وفاشية بحق نشطاء أسطول الصمود، جاء ليذكر العالم بما يمكن أن تحققه حكوماته -إن هي أرادت فعلاً وقف الاحتلال عند حده- وفي ساعات معدودة فقط!
وللتذكير، فإن المفارقة الفاضحة في الغضب الأوروبي من صور إذلال نشطاء أسطول غزة، كشفت أن العالم نفسه وقف صامتاً على مدار ثلاث سنوات -ولا يزال- وهو يشاهد صوراً أبشع وأكثر وحشية تُرتكب بحق الأسرى الفلسطينيين: من تعذيب، وتجويع، وتعرية، وإطلاق للكلاب البوليسية، واعتداءات مهينة، وضرب حتى الموت، ناهيك عن الإبادة والقتل اليومي لأهالي غزة، دون أن تتحرك غالبية هذه الحكومات بالجدية نفسها. وفجأة، أصبح التقييد والإذلال "صدمة أخلاقية" فقط عندما كان الضحايا هم نشطاء أوروبيون!
ومن الواضح أن المشكلة أعمق من "بن غفير" نفسه؛ فمن مارس الإذلال والخطف والقرصنة في المياه الدولية ليس مجرد تابع لوزير متطرف فحسب، بل هم جنود وشرطة وموظفو مصلحة سجون وأجهزة أمنية كاملة، اعتادت على ممارسة القمع والتنكيل ضد الفلسطينيين بشكل يومي ومؤسساتي؛ فالقضية إذاً ليست انحراف شخص، بل فاشية منظومة كاملة مبنية على الإذلال والعنف والقهر، وتحظى رغم ذلك بدعم وتغطية غربية مستمرة.
ختاماً، لو كان هذا الضغط الأوروبي الرسمي ملتزماً حقاً بتحقيق مبادئ العدالة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان، لكان واجبه العاجل يقتضي الإفراج عن 9600 أسير فلسطيني يقاسون الوجع نفسه داخل معتقلات هذا الكيان -الذي بات رئيس وزرائه نتنياهو مطلوباً لمحكمة الجنايات الدولية-، ولكان من واجبهم أيضاً إنهاء الحصار غير القانوني المفروض على المدنيين والجائعين والمرضى في غزة، وهو ذات الهدف الذي ركب من أجله نشطاء بلادهم البحر.
إن أكثر من لخص مشهد الأسطول وما سبقه، هو الصحفي البريطاني "أوين جونز" الذي تحدث عن مشاهد التنكيل بنشطاء أسطول الصمود بقوله: "إذا كان هذا ما يُفعل بالغربيين أمام الكاميرا، فما الذي يُفعل بالفلسطينيين خلف الأبواب المغلقة حين لا تكون هناك كاميرات؟".
إن ما يجري للفلسطينيين بعيداً عن الكاميرات يا سيد جونز لا يتخيله عقل بشر، ولو عشتم معنا في غزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية لما بقيت لكم عقول!