ما بين رايات المنارة ودوار روابي لا يقف المشهد عند حدود حادثة عابرة أو حالة أمنية مؤقتة، بل يكشف عن تحوّل عميق في الوعي الجمعي وفي طبيعة العلاقة مع الرموز الوطنية ومعايير التعامل معها.
لسنوات طويلة ارتبط رفع الراية الفلسطينية في بعض الساحات بحالة استنفار؛ تُصادر الرايات، يُلاحق حاملوها، وتتحول لحظة رفع العلم إلى مواجهة مفتوحة تعقبها الهراوات وقنابل الصوت والاعتقالات، في مشهد يوحي بأن الراية نفسها باتت فعلاً مقلقاً ومستفزاً. كانت الرسالة واضحة: تجريد الرمز الوطني من طبيعته الجامعة وتحويله إلى عبء أمني أو تهمة سياسية.
في المقابل، ظهر مشهد دوار روابي مختلفاً تماماً؛ عشرات الأعلام الزرقاء والبيضاء تنتشر في المكان وعلى جنبات الطرقات بصورة غير مسبوقة، دون حالة غضب أو استنفار أو حتى محاولة لتغيير المشهد. هنا لا تكمن المفارقة فقط في اختلاف ردود الفعل، بل في التحول الذي أصاب حساسية المجتمع تجاه الرموز ذاتها.
ما جرى لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة مسار طويل من إعادة تشكيل الوعي وتطبيع المشاهد الصادمة تدريجياً، حتى أصبح ما كان يُعد استفزازاً صارخاً مشهداً اعتيادياً يُقابل بالصمت أو بالعجز أو بتبريرات الخوف وعدم القدرة على التغيير. الأخطر من ذلك ليس وجود المشهد بحد ذاته، بل سرعة التكيّف معه؛ فبعد ساعات قليلة من السخط والتوثيق والغضب على وسائل التواصل، انقلب الحدث إلى صورة يومية فقدت قدرتها على إثارة النقاش أو حتى الاستغراب.
المارّون بجانب دوار روابي اختصروا الحالة بأشكال مختلفة: ساخط يلعن الواقع، حزين يشيح بنظره، وشاب يرى أن إزالة المشهد لا تحتاج أكثر من “عود كبريت” لكن كلفتها كبيرة. وبين هذه المواقف الثلاثة تتجلى أزمة أعمق: انتقال المجتمع من حالة الرفض الفاعل إلى حالة الإدراك العاجز، حيث يبقى الاعتراض محصوراً في الهمس أو المنشورات العابرة، دون قدرة حقيقية على تغيير الوقائع المفروضة على الأرض.
القضية هنا ليست مجرد أعلام، بل ما ترمز إليه من تبدّل في موازين الهيبة والخوف، وفي قدرة الناس على الحفاظ على حساسية وطنية كانت في السابق تعتبر بعض المشاهد غير قابلة للتطبيع أو الاعتياد.
القضية لم تعد في عدد الأعلام المرفوعة بل في عدد العيون التي اعتادت رؤيتها دون أن ترتجف فالأمم لا تُهزم حين تُفرض عليها الوقائع بالقوة فقط بل حين تفقد تدريجياً قدرتها على اعتبار تلك الوقائع غير طبيعية وما بين رايات المنارة ودوار روابي تبدو المسافة أبعد من جغرافيا مدينتين إنها المسافة بين مجتمع كان يرى في الرمز الوطني خطاً أحمر ومجتمع يُدفع ببطء نحو التعايش الصامت مع انقلاب المعنى والهيبة والخوف.