الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026

ما بين رايات المنارة ودوار روابي لا يقف المشهد عند حدود حادثة عابرة أو حالة أمنية مؤقتة، بل يكشف عن تحوّل عميق في الوعي الجمعي وفي طبيعة العلاقة مع الرموز الوطنية ومعايير التعامل معها.

لسنوات طويلة ارتبط رفع الراية الفلسطينية في بعض الساحات بحالة استنفار؛ تُصادر الرايات، يُلاحق حاملوها، وتتحول لحظة رفع العلم إلى مواجهة مفتوحة تعقبها الهراوات وقنابل الصوت والاعتقالات، في مشهد يوحي بأن الراية نفسها باتت فعلاً مقلقاً ومستفزاً. كانت الرسالة واضحة: تجريد الرمز الوطني من طبيعته الجامعة وتحويله إلى عبء أمني أو تهمة سياسية.

في المقابل، ظهر مشهد دوار روابي مختلفاً تماماً؛ عشرات الأعلام الزرقاء والبيضاء تنتشر في المكان وعلى جنبات الطرقات بصورة غير مسبوقة، دون حالة غضب أو استنفار أو حتى محاولة لتغيير المشهد. هنا لا تكمن المفارقة فقط في اختلاف ردود الفعل، بل في التحول الذي أصاب حساسية المجتمع تجاه الرموز ذاتها.

ما جرى لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة مسار طويل من إعادة تشكيل الوعي وتطبيع المشاهد الصادمة تدريجياً، حتى أصبح ما كان يُعد استفزازاً صارخاً مشهداً اعتيادياً يُقابل بالصمت أو بالعجز أو بتبريرات الخوف وعدم القدرة على التغيير. الأخطر من ذلك ليس وجود المشهد بحد ذاته، بل سرعة التكيّف معه؛ فبعد ساعات قليلة من السخط والتوثيق والغضب على وسائل التواصل، انقلب الحدث إلى صورة يومية فقدت قدرتها على إثارة النقاش أو حتى الاستغراب.

المارّون بجانب دوار روابي اختصروا الحالة بأشكال مختلفة: ساخط يلعن الواقع، حزين يشيح بنظره، وشاب يرى أن إزالة المشهد لا تحتاج أكثر من “عود كبريت” لكن كلفتها كبيرة. وبين هذه المواقف الثلاثة تتجلى أزمة أعمق: انتقال المجتمع من حالة الرفض الفاعل إلى حالة الإدراك العاجز، حيث يبقى الاعتراض محصوراً في الهمس أو المنشورات العابرة، دون قدرة حقيقية على تغيير الوقائع المفروضة على الأرض.

القضية هنا ليست مجرد أعلام، بل ما ترمز إليه من تبدّل في موازين الهيبة والخوف، وفي قدرة الناس على الحفاظ على حساسية وطنية كانت في السابق تعتبر بعض المشاهد غير قابلة للتطبيع أو الاعتياد.

القضية لم تعد في عدد الأعلام المرفوعة بل في عدد العيون التي اعتادت رؤيتها دون أن ترتجف فالأمم لا تُهزم حين تُفرض عليها الوقائع بالقوة فقط بل حين تفقد تدريجياً قدرتها على اعتبار تلك الوقائع غير طبيعية وما بين رايات المنارة ودوار روابي تبدو المسافة أبعد من جغرافيا مدينتين إنها المسافة بين مجتمع كان يرى في الرمز الوطني خطاً أحمر ومجتمع يُدفع ببطء نحو التعايش الصامت مع انقلاب المعنى والهيبة والخوف.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
هندسة الوعي القيمي واستعادة البوصلة الوطنية (استراتيجية اتصالية)
24 Oct 2026
director
المقال السياسي
حين يصبح الاتهام شهادة براءة
16 Oct 2026
director
المقال السياسي
الرهان الخاسر.. عندما يجازي الاحتلال منقذيه بالهدم والتشريد!
13 Oct 2026
director
المقال السياسي
غزة بعد ثلاث سنوات من الطوفان
06 Oct 2026
director
المقال السياسي
الموقف الآيسلندي وفلسطين واستعادة القانون الدولي لمرجعيته
29 Sep 2026
director
المقال السياسي
على عكس التوقعات؛ هل ينفذ الرئيس عباس الانتخابات في نوفمبر 2026؟
22 Sep 2026
director
المقال السياسي
الانتخابات الفلسطينية 2026: تحليل مواقف القوى المؤثرة في غياب الإرادة السياسية
21 Sep 2026
director
المقال السياسي
في غزة..حين يصبح غياب المأوى حكمًا بالموت
16 Sep 2026
director
المقال السياسي
من إدارة الصراع إلى الهيمنة الإقليمية: هل يعيد المشروع الإسرائيلي تشكيل الشرق الأوسط؟
07 Sep 2026
director
المقال السياسي
انتصرت إيران استراتيجياً على أمريكا
05 Sep 2026
director
المقال السياسي
حين تصبح الانتخابات سؤالًا عن النظام لا عن الصندوق
03 Sep 2026
director
المقال السياسي
من الردع إلى العزل: إسرائيل نحو إدارة التهديد وحرب بلا نهاية سياسية...
24 Aug 2026
director
المقال السياسي
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
20 Aug 2026
director
المقال السياسي
نتنياهو بين دم غزة وصندوق الاقتراع
19 Aug 2026
director
المقال السياسي
النظام الانتخابي وأزمة النظام السياسي الفلسطيني
15 Aug 2026