في معركة الوعي (٣) بين فكرتي "حتمية الهزيمة" وحتمية النصر
17 Apr 2025

ما يحرك الجزء الأكبر من الأقلام والأبواق التي تناولت المقاومة، بالتشكيك والاتهام حد المؤامرة مع العدو على تدمير غزة وإبادة أهلها، والذي يعني في الجوهر، إعفاء العدو من تلك المسؤولية؛ طالما أن طرفًا فلسطينيًا؛ متآمرًا معه، وهو غير الاعتراف بالعدو وجودًا وشرعيةً؛ سيطرة فكرة "حتمية الهزيمة" في صميم بنيتهم الذهنية/الفكرية وممارستهم السياسية؛ متحججين بدائرة الفشل المستمر الذي سيطر على أداء مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالذات منها القيادة المتنفذة في المنظمة - الذين في غالبيتهم العظمى ينحازون إليها - التي بدأت بالتحرير وانتهت إلى الاعتراف بإسرائيل، وعليه؛ لم يكن أي منهم، قادرًا على "استيعاب" أن بإمكان قوة مقاومة فلسطينية، إلحاق هزيمة مدوية وخلال ساعات معدودة بالعدو (أي صديقتهم إسرائيل)، وانهيار أهم فرقة من فرقه، أي فرقة غزة.. وما أن أطلق العدو، أولى طلقاته وصواريخ طائرته ومدافعه، كانت عباراتهم: "نحن من ذهبنا للأسد، وفتحنا باب عرينه"؛ الأسد بالنسبة لهم، رمزًا للقوة التي لا يقهرها أحد، لذلك لم يستعبوا أن تقهرها قوة مقاومة صغيرة قوامها عدة آلاف من المقاتلين، وتتوغل داخل البلاد عشرات الكيلو مترات، وصولًا لمحاولة تبريرهم، أن ميزان القوة بيننا وبين العدو، لا يسمح لنا، بمقارعته/مقاومته، وكأنه في كل تجارب الشعوب التي خضعت للاستعمار والاحتلال، وحققت انتصارًا كاسحًا عليه، كانت قدرات المُستعمَر؛ تساوي أو تضاهي قدرات المُستعمٍر، وأنها لم تعمل (أي القوى المُستعمَرة) على تحشيد وتحفيز ميزان القوة بمعناه الشامل، وهذا ما تؤكده كل التجارب الثورية، من فيتنام إلى الجزائر وكوبا ولبنان وصولًا إلى أنغولا؛ إلى جانب ارتكازها إلى قوى حليفة وصديقة؛ ساعدتها وساندتها، لكن المشترك بين كل أصحاب الأقلام والأبواق المهزومة في تجربتنا الفلسطينية، أنها كانت تتشابه وتلتقي مع ذات الأقلام والأبواق المهزومة في التجارب ألمذكورة وغيرها بالطبع، حتى في عملية تشويه وشيطنة الأصدقاء والحلفاء، وما أن حققت تلك التجارب الثورية انتصارها على أعدائها، حتى إٍنزوا أصحاب هذه الأقلام والأبواق، من تاريخ شعوبهم المضيء بالحرية، بل الكثير منهم، هربوا في ذات العربات والقطارات والطائرات التي أقلت جيوش الأعداء، ومنهم من تركهم أعدائهم خلفهم، بعد أن انتهت مهمتهم..! تذكرون: (جيش فيتنام الجنوبي؛ عميل الاحتلال الأمريكي، في مواجهة الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام "الفيت كونغ"، والحركيين في الجزائر؛ عملاء الاحتلال الفرنسي، في مواجهة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، والديكتاتور فولينغسيو باتيستا في كوبا؛ عميل الولايات المتحدة، في مواجهة حركة السادس والعشرين من يوليو وحلفائها بقيادة فيدل كاسترو، وجيش حداد - لحد؛ عميل الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة قوى المقاومة الوطنية اللبنانية... والتاريخ ما يزال يُذكّرنا بغيرهم أيضًا، من أنظمة القمع والقهر والخيانة والتواطؤ مع العدو الصهيوني حد الشراكة في حرب إبادته على شعبنا)، وهنا أستحضر قول غسان كنفاني: "في الوقت الذي كان يناضل فيه بعض الناس، ويتفرج بعضٌ آخر، كان هنالك بعض أخير يقوم بدور الخائن...".

إن النقطة الجوهرية هنا، إلى جانب القراءة العميقة لطبيعة المشروع الصهيوني - الإمبريالي وجوهره الاستيطاني - الاحلالي - الإبادي، وقراءة الواقع الراهن للحركة الوطنية والقوى المقاتلة وطبيعتها وبنيتها ومدى استعدادها للاستمرار في نضالها الثوري وثباتها السياسي، والحالة الشعبية العامة؛ من حيث المقدرات والتحشيد والصمود، خاصة في ظل حرب إبادة الهدف منها، إلى جانب القتل والتدمير، كسر الإرادة الشعبية، كهدف أساسي يسعى العدو، إليه واحتلالها من بوابة احتلال العقل، والسيطرة عليها بتعميم فكرة "حتمية الهزيمة". وفي الحالين معًا، أي مسألة احتلال الإرادة وقبلها احتلال العقل، فإن الأمر ليس شأنًا إرادويًا ونفسيًا، بل ماديًا وتراكميًا أيضًا ونوعًا من الحصيلة الفكرية لسلسلة الفشل/الهزائم المتتالية، لكن الأنكى؛ محاولة الاستقواء بها، على فكرة مقابلة تمامًا، وهي حتمية النصر، والتي بالتأكيد لها شروطها الفكرية والتنظيمية والسياسية؛ فالهزيمة محققة، لمن لا يدرك شروط النصر بالطبع.

هنا، بالضبط موقع هذه الأقلام والأبواق التي إلى جانب التشكيك والاتهام والافتراء والكذب على الدم؛ تبني خطابها على التيئييس والتخذيل وتثبيط العزائم والهمم، ومحاولة تعميم الفوضى الفكرية والسياسية كما المجتمعية، بحيث نكون فعلًا؛ أمام خيانة علنية؛ مشهود عليها بما يكتبون وما يبثون.. ويبقى للرأي ووجهة النظر والنقد الهادف والموضوعي، والارتكاز على الحقيقة كما الحق، أساس يجب أن يحضر في كل وقتٕ وحين؛ مبني على الضمير الجمعي لشعب لم يحد عن المقاومة، في أقسى الظروف وأكثرها صعوبة؛ متسلحًا بيقين لا يلين بحتمية النصر.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
كيف تفكّر إسرائيل؟
22 Dec 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
الطوفان الحقيقي: المقاومة، الاستعمار، وأزمة النخب الموهومة
07 Dec 2025
director
المقال السياسي| المقال الإقتصادي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
قراءة وتقدير حول الأثر الاقتصادي لميزانية الدفاع الإسرائيلية 2026
05 Dec 2025
director
المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
ذاكرتنا الوطنية بين الألم والبصيرة من استدعاء الجراح إلى صناعة المستقبل
08 Nov 2025
director
المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
آثار حرب الإبادة تمتد دوليَّا وتوقظ الضمائر الأجنبية..
07 Nov 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
تحولات الوعي الفلسطيني بعد طوفان الأقصى: بين الكرامة والمراجعة الوطنية
06 Nov 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
غزة في الدبلوماسية الصينية-الأمريكية الدلالات والرسائل
01 Nov 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال الثقافي والاعلامي
التغيير السياسي الشامل ليس حلا
01 Nov 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
طوفان الأقصى وإعادة تعريف النصر: قراءة في سقوط الردع الإسرائيلي
25 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
بعد عامين من حرب الإبادة.. كيف أصبحت القضية الفلسطينية؟ وهل سقطت الرواية الإسرائيلية؟ وهل انتصرت المظلومية الغزية؟.
16 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
مفهوم المقاومة الفلسطينية وطوفانها
07 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
طوفان الأقصى عامان من الوعي المقاوم إلى ميلاد مرحلة جديدة للحقوق الفلسطينية
07 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الخديعة الكبرى: كيف شرعنّت واشنطن ضم الضفة وخطّت تهجير فلسطين — ترامب مهندس المصيدة
02 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
المبادرة الأمريكية: غطاء للانتصار الرمزي للاحتلال أم اختبار للقوة الفلسطينية؟
02 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال الثقافي والاعلامي
أي مستقبل لغزة في ظل مجلس ترامب للسلام؟
30 Sep 2025