ثبات الهدف ومرونة الأسلوب في إدارة الصراع
كثيرًا ما يُختزل تفسير السلوك الاسرائيلي في توصيفات أخلاقية أو أيديولوجية، بينما يُغفل البُعد الأهم: العقل الإداري–الاستراتيجي الذي يدير الصراع.
فاسرائيل، مهما بدت متقلّبة سياسيًا من الداخل، تُظهر ثباتًا لافتًا في أهدافها الكبرى، ومرونة عالية في الوسائل المستخدمة لتحقيقها.
لفهم ذلك، لا بد من الفصل بين ما لا يتغيّر في السياسة الاسرائيلية، وما يتبدّل تكتيكيًا بحسب الظرف.
أولًا: الثوابت الاسرائيلية.. ما الذي لا يخضع للمساومة؟
الثابت الأول هو الأمن بوصفه عقيدة وجودية.
في الوعي الاسرائيلي، الأمن ليس وظيفة الدولة، بل مبرّر وجودها.
ولهذا يتقدّم على القانون الدولي، وعلى الاعتبارات الأخلاقية، وحتى على كلفة العزلة السياسية.
كل ما يُهدّد الأمن يُواجَه، وكل ما يعزّزه يُشرعن.
الثابت الثاني هو منع قيام كيان فلسطيني قوي.
المسألة لا تتعلّق فقط برفض الدولة الفلسطينية، بل برفض أي بنية سياسية أو اجتماعية قادرة على امتلاك قرارها أو فرض شروطها.
كيان ضعيف، مجزأ، قابل للضبط: مقبول.
كيان مستقل الإرادة: خطر وجودي.
الثابت الثالث هو إدارة الصراع لا حلّه.
الحل النهائي يحمل أسئلة ديموغرافية، وأخلاقية، وتاريخية تُربك المشروع الصهيوني.
أما الصراع المُدار، فيمنح اسرائيل الوقت، والتفوّق، والقدرة على إعادة تشكيل الواقع تدريجيًا دون التزامات حاسمة.
الثابت الرابع هو التفوّق الشامل.
عسكريًا، أمنيًا، استخباراتيًا، تكنولوجيًا، واقتصاديًا.
اسرائيل لا تفاوض من موقع الندّية، بل من موقع القدرة على فرض الوقائع.
ثانيًا: المتغيّرات الاسرائيلية.. مرونة بلا تخلّي عن الهدف
في مقابل هذا الثبات، تُظهر اسرائيل قدرة عالية على تغيير الأسلوب دون تغيير الغاية.
يتبدّل الخطاب السياسي بحسب الجمهور.
مرة خطاب سلام، ومرة مكافحة إرهاب، ومرة دفاع عن النفس.
اللغة تتغيّر، لكن المضمون واحد: تبرير الفعل وضمان الغطاء الدولي.
تتنوع أدوات السيطرة.
من الاحتلال المباشر إلى الحصار، ومن القصف إلى الاغتيالات، ومن القوة العسكرية إلى الاقتصاد، ومن المواجهة المفتوحة إلى التفكيك الداخلي للخصم.
حتى العلاقة مع الإقليم خضعت لمنطق المتغيّر.
عداء، ثم تطبيع، ثم شراكات أمنية واقتصادية.
ليس بدافع السلام، بل بدافع تحييد البيئة المحيطة وتقليل كلفة الصراع.
ثالثًا: الأدوات غير المرئية.. حيث تُدار المعركة الحقيقية
أخطر ما في الاستراتيجية الاسرائيلية ليس القوة العسكرية، بل ما دونها.
الحرب النفسية تُستخدم لضرب المعنويات، وزرع الشك، وتكريس الشعور باللاجدوى.
الاقتصاد يُستعمل كوسيلة ضبط، لا كرافعة تنمية.
الزمن نفسه يتحوّل إلى أداة: إطالة الصراع، استنزاف الخصم، انتظار تآكل الإرادة.
وفي كل ذلك، يُدار الفلسطيني لا بوصفه شريكًا سياسيًا، بل بوصفه مشكلة أمنية قابلة للإدارة.
خاتمة: لماذا تنجح اسرائيل في إدارة الصراع؟
اسرائيل لا تنجح لأنها الأقوى فقط،
بل لأنها الأوضح في ما تريد.
تعرف ثوابتها جيدًا، وتُبدع في تغيير أدواتها دون أن تفقد بوصلتها.
وفي صراع طويل النفس، لا ينتصر دائمًا من يملك الحق فقط، بل من يملك رؤية ثابتة، وعقلًا باردًا، وقدرة على استخدام الزمن لصالحه.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين:
ليس فقط مقاومة الاحتلال، بل مقاومة طريقته في إدارة الصراع.