مضت ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، ولم يعد السؤال عن غزة سؤالاً عن حرب أو هدنة أو إعادة إعمار، بل صار سؤالاً وجودياً عن مصير الأمة بأسرها. فما جرى في غزة لم يكن معركة عابرة ولا مواجهة محدودة بل زلزالاً استراتيجياً أعاد تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة بأكملها وكشف عورات الجميع: من الكيان الصهيوني إلى الأنظمة العربية إلى القوى الدولية التي تتاجر بالقيم الإنسانية وتُخفي خلفها حسابات الهيمنة والنفوذ.
الواقع في غزة اليوم لا يحتاج إلى وصف عاطفي، بل إلى تشريح بنيوي صارم القطاع الذي تقلصت مساحته القابلة للحياة بنسبة تقارب السبعين في المئة لم يعد فضاءً للعيش، بل مقبرة مفتوحة للمشروع الوطني الفلسطيني برمته. من أصل نحو 2.2 مليون نسمة، أصبح حوالي 1.9 مليون نازحاً يتكدسون في شريط ساحلي ضيق وسط انهيار كامل للبنى التحتية والخدمات الأساسية وانتشار الأمراض والمجاعة التي أعلنتها الأمم المتحدة رسمياً هذه ليست حرباً تقليدية تخضع لقواعد الاشتباك بل هندسة فناء متعمدة تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ومنع قيام أي كيان فلسطيني قادر على الاستمرارية أو إعادة البناء في المستقبل.
الاقتصاد الغزي لم يعد في حالة ركود أو تراجع بل في حالة إعدام منهجي انهار الإنتاج المحلي بنسبة تتجاوز 92% وبلغت البطالة أكثر من 90% وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى أقل من ستين سنتاً يومياً هذا التحول ليس نتيجة جانبية للحرب بل هدفاً استراتيجياً واضحاً: تحويل غزة من مجتمع منتج إلى كتلة بشرية معتمدة كلياً على المساعدات الخارجية مساعدات تُدار وفق إيقاعات السياسة الدولية لا وفق الاحتياجات الإنسانية الفعلية النتيجة هي اقتصاد ميت بالتصميم لا يمكن إعادة إحيائه دون تغيير جذري في موازين القوى المحيطة.
سياسياً انتهى حكم حماس العملي على القطاع ما تبقى اليوم هو هياكل إدارية محدودة لتسيير الحياة اليومية بعد استقالة لجنة العمل الحكومي بغزة تعتمد على البلديات ولجان تسيير أعمال يجري الانتقال نحو صيغة تكنوقراطية تحت مسمى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، تُشرف عليها قوة استقرار دولية وترتبط مباشرة بإشراف أمريكي عبر ما يُسمى «مجلس السلام» هذا الترتيب لا يعني انسحاباً إسرائيلياً حقيقياً ولا يؤسس لسيادة فلسطينية بل يعيد صياغة الوصاية الدولية على غزة تحت غطاء إعادة الإعمار الوصاية الجديدة أكثر نعومة في الخطاب لكنها أشد إحكاماً في السيطرة على الموارد والقرار السياسي.
إعادة الإعمار نفسها تحولت إلى معادلة سياسية معقدة قبل أن تكون مسألة مالية التقديرات الأممية تتحدث عن حاجة إلى أكثر من سبعين مليار دولار لإعادة بناء ما دُمر. هذا الرقم يتجاوز قدرات أي جهة عربية أو دولية منفردة، ولم يُترجم حتى الآن إلى التزامات فعلية ملزمة المؤتمرات تُعقد والوعود تُطلق بينما تبقى مواد البناء خاضعة للقيود والحصار وكأن الهدف غير المعلن هو الإبقاء على غزة في حالة جثة هامدة: لا تُدفن تماماً فتنتهي ولا تُشفى فتعود إلى الحياة.
ان التحليل الجيوسياسي لهذه الحرب لا يمكن أن يُختزل في طرفي القتال المباشرين التداعيات امتدت إلى لبنان وسوريا وإيران ووصلت إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر. الكيان الصهيوني الذي واجه لأول مرة منذ سبعة وسبعين عاماً شعوراً حقيقياً بالخطر الوجودي، ردّ بقوة غاشمة تجاوزت كل الحدود والقيود كاشفاً عن طبيعته العميقة كمشروع استيطاني لا يعترف بحدود أخلاقية أو قانونية لكن هذا الرد العنيف لم يحقق الأمن الاستراتيجي بل زاد من عزلته الدولية، ودفع دولاً كانت بالأمس من أقرب حلفائه إلى الاعتراف المتتالي بدولة فلسطينية المفارقة أن القوة المفرطة أنتجت ضعفاً سياسياً طويل الأمد.
السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بتجرد هو: ماذا جنت القضية الفلسطينية من هذا الطوفان على المستوى التاريخي؟ ليست المسألة حسابات ربح وخسارة آنية بل مسار الأمة ككل القضية التي كانت توشك على الاختناق تحت وطأة النسيان والتطبيع والتصفية البطيئة عادت إلى مركز الاهتمام العالمي لكنها عادت محمولة على ركام الأشلاء والدمار واليتم الجماعي هذا الثمن الباهظ يفرض وقوف الأمة الإسلامية مع فلسطين باعتبارها خط الدفاع الأول عن الامة ومساندة اهالي غزة ودعمهم بشكل عاجل .
الأخطر من الخصم الخارجي اليوم هم الوكلاء والأدوات من داخل النسيج العربي والإسلامي نفسه فما يجري في غزة لا يمكن فهمه دون النظر إلى الأنظمة التي تكتفي بالبيانات والشجب اللفظي بينما تُبقي مطاراتها وموانئها وممراتها مفتوحة لتمرير السلاح والعتاد للكيان وكأن الحرب على غزة ليست حرباً على المجال الحيوي للأمة بأسرها هذا التناقض البنيوي بين الخطاب والممارسة هو ما يجعل الاستنزاف مستمراً ويمنع تحول الغضب الشعبي إلى قوة استراتيجية منظمة.
غزة بعد ثلاث سنوات ليست ملفاً إنسانياً ولا قضية إغاثية عابرة. إنها اختبار حضاري للمشروع العربي والإسلامي برمته.
إما أن يتم الانتقال من ردود الأفعال والمسكنات إلى بناء استراتيجية متكاملة تقوم على الوحدة والتمكين والاستثمار طويل الأمد في القدرات الذاتية، وإما أن يستمر النزيف حتى يصل الدور إلى ما تبقى من المواقع التاريخ لا يرحم الأمم التي تكتفي بالمشاهدة والندب.
هذه ليست نهاية الطريق، بل لحظة الحقيقة التي يجب مواجهتها بلا تجميل. المقاومة ليست سلاحاً ومواجهة عسكرية فحسب بل مشروع حضاري متكامل يحتاج إلى عقول تخطط، ورؤوس أموال تستثمر، وإرادة جماعية تنتصر للقضية بدلاً من المتاجرة بها في أسواق التطبيع والاعترافات الشكلية.