ثمة شيء يستحق التوقف في الحديث المتزايد عن الانتخابات الفلسطينية، ليس لأنها غير مهمة، ولا لأن تجديد الشرعية أمر يمكن الاستغناء عنه، وإنما لأننا ربما نحمّل الانتخابات أكثر مما تحتمل.
فالانتخابات، في نهاية المطاف، وسيلة لاختيار ممثلين وتجديد شرعية مؤسسات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن الأسئلة التي تسبقها: أي مشروع وطني نريد؟ وأي نظام سياسي نريد؟ ومن يملك القرار فيه؟ وكيف يصنع هذا القرار؟ وما القواعد التي تضبط العلاقة بين أطرافه؟
وهنا تكمن المفارقة.
نحن نتحدث عن إصلاح انتخابي، ثم نفترض أن النظام سيصلح نفسه تلقائيًا. وكأن تغيير طريقة اختيار الأشخاص كفيل بتغيير الطريقة التي يُدار بها الوطن.
والتجربة تقول غير ذلك.
فقد لا تكون مشكلتنا الكبرى أننا لم ننتخب بما يكفي، وإنما أننا لم نتفق بما يكفي على ما الذي ينبغي أن ننتخبه من أجله.
هذه نقطة ليست هامشية.
فإذا دخلت القوى الوطنية الانتخابات بقائمة مشتركة، فقد تكون قد حققت إنجازًا مهمًا في تجاوز الانقسام الانتخابي، لكنها لم تحسم بالضرورة خلافها حول المشروع والبرنامج وأدوات العمل الوطني.
يمكن أن نتفق على القائمة ونختلف على البرنامج.
ويمكن أن نتفق على البرنامج ونختلف على الوسائل.
ويمكن أن نتفق على البرنامج والوسائل، ثم نعود إلى السؤال القديم الذي طالما أفسد شراكاتنا: من يملك القرار؟
وهنا يصبح التوافق على القائمة أقل أهمية من التوافق الذي يجب أن يسبقها.
لأن القضية ليست أن نجمع القوى في قائمة واحدة، وإنما أن نعرف ماذا ستفعل هذه القوى حين تصبح في موقع المسؤولية.
فالوحدة في الصندوق لا تعني بالضرورة الوحدة في المشروع، والقائمة المشتركة لا تتحول إلى شراكة سياسية لمجرد أنها حملت اسمًا وطنيًا جامعًا.
بل ربما كان الخطر أن ننجح في تجاوز التنافس الانتخابي، ثم نكتشف بعد الانتخابات أن التنافس الحقيقي كان مؤجلًا فقط، وأن السؤال القديم ينتظرنا خلف الباب: من ستكون له الكلمة الأخيرة؟
وهنا نصل إلى العقدة الأكثر تعقيدًا في المسألة.
حتى لو أجرينا انتخابات تشريعية نزيهة، وحتى لو جاءت بتركيبة جديدة للمجلس، وحتى لو أفرزت الانتخابات الرئاسية قيادة جديدة للسلطة، فإن ذلك لا يعني أننا أعدنا بناء النظام السياسي الفلسطيني.
لماذا؟
لأن السلطة ليست كل النظام، ولأن القيادة المنتخبة للسلطة لا تعني بالضرورة أنها أصبحت القيادة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني كله.
وهنا تدخل منظمة التحرير إلى قلب السؤال.
فإذا كانت المنظمة هي الإطار الوطني الجامع، فإن إصلاح السلطة من دون إصلاح علاقتها بالمنظمة يترك جزءًا أساسيًا من المعادلة خارج عملية الإصلاح.
قد نغير رئيس السلطة، ونغير المجلس التشريعي، ونغير الحكومة، ثم نسأل بعد ذلك: أين يذهب القرار الوطني الاستراتيجي؟ ومن يملكه؟ وأين تقع المنظمة في هذه المعادلة؟ ومن يحدد العلاقة بين مؤسساتها ومؤسسات السلطة؟
وهذه ليست أسئلة فنية تصلح لتؤجل إلى ما بعد الانتخابات.
إنها أسئلة تتعلق بطبيعة النظام نفسه.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن التوافق الوطني يُطرح أحيانًا باعتباره البديل الذي نلجأ إليه إذا تعذر إجراء الانتخابات.
لكن أليس الأجدر أن نسأل السؤال من الجهة الأخرى؟
إذا كان التوافق يصلح لتشكيل مجلس وطني عندما يتعذر الاقتراع، فلماذا لا يكون التوافق هو الأساس الذي نعيد به تعريف قواعد النظام السياسي قبل أن نذهب إلى الاقتراع؟
المسألة هنا ليست في وضع التوافق مكان الانتخابات.
فهذا اختيار زائف.
المسألة في أن نعرف وظيفة كل منهما.
التوافق يحدد قواعد اللعبة، والانتخابات تمنح المؤسسات شرعيتها.
التوافق يجيب عن سؤال: على أي أساس سنعمل معًا؟
والانتخابات تجيب عن سؤال: من نختار ليتولى المسؤولية في ظل هذا الأساس؟
أما أن نذهب إلى الانتخابات أولًا، ثم نترك المشروع والبرنامج وقواعد الشراكة ومركز القرار للعلاقات التي ستنشأ بعد إعلان النتائج، فذلك يعني أننا نطلب من الصندوق أن يحل خلافات ليست من اختصاصه.
الصندوق لا يصنع مشروعًا وطنيًا.
والأغلبية الانتخابية لا تمنح صاحبها تفويضًا مفتوحًا.
والفوز في الانتخابات لا يعني امتلاك الحقيقة الوطنية.
هذه كلها مسائل يجب أن تحكمها قواعد متفق عليها قبل أن يبدأ التنافس.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل نريد الانتخابات؟
الإجابة عن ذلك ينبغي أن تكون واضحة: نعم.
السؤال الأصعب هو: ماذا نريد من الانتخابات؟
هل نريدها مجرد وسيلة لتغيير تركيبة السلطة؟
أم نريدها جزءًا من عملية أكبر لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟
الفرق بين السؤالين ليس لغويًا.
إذا كان الهدف تغيير الأشخاص، فانتخابات السلطة تكفي من حيث المبدأ.
أما إذا كان الهدف إصلاح النظام، فإننا نحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير: إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وإلى تجديد مؤسسات القرار الوطني، وإلى تحديد قواعد صناعة القرار، وإلى اتفاق على الحد الأدنى من المشروع الوطني، وإلى برنامج سياسي، وإلى قواعد واضحة للشراكة والمساءلة وتداول السلطة.
وهنا ينبغي أن نكون حذرين من وهم آخر.
ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء قبل الانتخابات، فهذا غير ممكن، وربما ليس صحيًا أصلًا.
المطلوب أن نتفق على ما لا يجوز أن نختلف عليه إذا أردنا أن نبقى شركاء في نظام سياسي واحد.
وهذا هو الحد الأدنى الذي نفتقده أكثر من حاجتنا إلى المزيد من الصيغ الانتخابية.
فالخلاف السياسي طبيعي.
أما تحويل الخلاف إلى صراع على احتكار القرار فليس طبيعيًا، ولا يمكن علاجه بتغيير قواعد الاقتراع وحدها.
لقد دفعت تجربتنا ثمنًا كبيرًا عندما أصبح السؤال: من يملك السلطة؟ أهم من السؤال: لأي غاية تستخدم السلطة؟
وأصبح الفوز يُقرأ أحيانًا باعتباره تفويضًا بالسيطرة، بدل أن يُقرأ باعتباره تكليفًا بإدارة التعددية.
وهنا ربما تكون الحاجة اليوم إلى تغيير السؤال نفسه.
بدل أن نسأل: من سيفوز؟
نسأل أولًا: ما الذي سيلتزم به من يفوز؟
وبدل أن نسأل: من سيقود السلطة؟
نسأل: ما حدود سلطة من يقودها؟ ومن يراقبه؟ وكيف يتعامل مع من لم يصوت له؟
وبدل أن نسأل: من يملك القرار؟
نسأل: كيف يصنع القرار الوطني، ومن يشارك في صناعته، وما المؤسسة التي تمنحه شرعيته؟
عند هذه النقطة فقط يصبح الحديث عن الانتخابات حديثًا عن الإصلاح، لا عن مجرد تغيير في تركيبة السلطة.
فالانتخابات مهمة، وربما أكثر ضرورة الآن من أي وقت مضى.
لكنها لا ينبغي أن تكون ستارًا يخفي السؤال الأكبر.
نحن لا نحتاج فقط إلى انتخابات نزيهة، وإنما إلى نظام يجعل نتائج الانتخابات جزءًا من شراكة وطنية، لا بداية لمعركة جديدة على القرار.
ولا نحتاج إلى قائمة وطنية مشتركة فحسب، وإنما إلى اتفاق وطني يجعل هذه القائمة تعبيرًا عن مشروع، لا مجرد ترتيب انتخابي.
ولا نحتاج إلى قيادة جديدة للسلطة فقط، وإنما إلى علاقة جديدة بين السلطة ومنظمة التحرير، وبين السلطة ومؤسسات القرار الوطني.
فالخطر ليس أن نختلف بعد الانتخابات.
الخطر أن ندخل الانتخابات ونحن نؤجل الأسئلة الكبرى إلى ما بعدها.
لأننا إذا فعلنا ذلك، فقد يحدث ما حدث من قبل: تتغير الوجوه، وتتغير الأرقام، وتتغير التحالفات، لكن يبقى السؤال القديم في مكانه.
من يملك القرار؟
والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يتغير هذا السؤال إلى سؤال أكثر نضجًا:
كيف نجعل القرار ملكًا للمؤسسة، والمشروع، والشراكة الوطنية، لا ملكًا للحزب أو الشخص أو الأغلبية العابرة؟
عندها فقط تكون الانتخابات بدايةً لإصلاح النظام.
أما قبل ذلك، فقد نكون أصلحنا الصندوق، وتركنا النظام كما هو.