من الردع إلى العزل: إسرائيل نحو إدارة التهديد وحرب بلا نهاية سياسية...
24 Aug 2026

مقدمة:

ثلاثة أعوام اقتربت من النهاية بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، حيث بدى أن إسرائيل لم تعد تبحث عن نصر حاسم، بل عن طريقة لإدارة حرب لا تنتهي؛ هذا هو جوهر التحول الاستراتيجي الخطير الذي كشفه ستة مسؤولين عسكريين ودفاعيين إسرائيليين لوكالة رويترز مؤخراً، حين قالوا إن إنشاء "مناطق عازلة" في غزة وسوريا ولبنان يعكس تحولاً استراتيجياً لإسرائيل بعد هجوم حماس، مما يضعها في حالة حرب شبه دائمة، فإسرائيل لم تعد أمام عقيدة أمنية تقليدية، بل أمام عقيدة جديدة يمكن تسميتها "عقيدة العزل الجغرافي".

من الردع إلى المنطقة العازلة:

ارتكزت العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ أكثر من 50 عاماً على ثلاثة أركان: الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، فكانت فكرة حسم المعركة أساسية: إذا هُوجمت إسرائيل يجب أن تنقل المعركة إلى أرض العدو لحسمها بسرعة ولتجنب استنزاف الجبهة الداخلية، لكن الذي حدث بعد 7 أكتوبر قلب هذه المعادلة، حيث منيت إسرائيل بفشلٍ استخباري وعسكري في ذلك الهجوم أظهر أن الردع قد انهار، وأن الحسم السريع ضد منظمات مثل حماس وحزب الله هو وهم، ففي الممارسات العملياتية أخذت إسرائيل تتحول من محاولة إزالة التهديد إلى إبعاده جغرافيا عندما يتعذر عليها تحقيق الإزالة الكاملة.

المنطقة العازلة في غزة، وفي جنوب لبنان، وفي الجولان السوري، ليست مجرد إجراءات تكتيكية مؤقتة. إنها تعبير عن قناعة جديدة مفادها، كما قال المسؤولون أنفسهم، أنه لا يمكن القضاء تماماً على حكام رجال الدين في إيران، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، هنا يكمن جوهر التحول الفلسفي: من حرب وجودية تهدف إلى إزالة التهديد، إلى حرب إدارة تهدف إلى التعايش معه عبر إبعاده جغرافياً.

الأبعاد الثلاثة للاستراتيجية الجديدة

أولاً، في غزة: المنطقة العازلة ليست خطاً أمنياً، بل هي مشروع إعادة هندسة القطاع، الذي يعاني اقتطاع ما يقارب ال 60% من مساحة غزة الأكثر خصوبة وقرباً من السياج، وتحويلها إلى منطقة قتل مفتوحة. أما استراتيجياً، هذا يحقق هدفين: أمني بمنع التسلل، وديموغرافي بخلق ضغط سكاني خانق يدفع نحو التهجير الطوعي على المدى الطويل.

ثانياً، في لبنان وسوريا: بعد حرب 2024 مع حزب الله، تحاول إسرائيل فرض منطقة عازلة بعمق 5-10 كيلومترات داخل لبنان، أما في سوريا باتت إسرائيل تتعامل مع الجنوب السوري ضمن حسابات تتعلق بالتفوق التركي، والدولة السورية الجديدة، وترتيبات أمنية إقليمية، والتطورات في أغسطس 2026 انتقلت إلى مواجهة إسرائيلية تركية حول الوجود العسكري التركي في سوريا، بعدما قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور، وهنا يتضح أن المناطق العازلة ليست مجرد أداة دفاعية، بل قد تصبح أداة لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

ثالثاً، البعد النفسي: المناطق العازلة هي رسالة للداخل الإسرائيلي بأن الجيش استعاد المبادرة، وأنه بعد صدمة 7 أكتوبر، هناك "مسافة أمان"، وبذلك أصبحت إسرائيل ترى أن الحدود السيادية نفسها غير كافية لإنتاج الأمن.

لماذا هي حرب أبدية؟

وصف المسؤولين الإسرائيليين لما يحدث بأنه استعداد لـ "حرب أبدية" ليس مبالغة إعلامية، بل توصيف دقيق لحالة استراتيجية، حيث أن الحرب الأبدية لها ثلاث سمات:

1. لا نهاية سياسية: المنطقة العازلة هي حل عسكري لمشكلة سياسية، هي لا تحل قضية غزة ولا قضية حزب الله، بل تجمدها، وكل تجميد يحتاج إلى قوة دائمة لحمايته، وهذا يعني بقاء الجيش في حالة اشتباك دائم.

2. الاستنزاف الاقتصادي والعسكري: الاحتفاظ بثلاث مناطق عازلة نشطة في وقت واحد يتطلب عشرات الآلاف من الجنود بشكل دائم، ومنظومات دفاع جوي، ومراقبة مستمرة. هذا ما يفسر جزئياً الأزمة الاقتصادية الداخلية والضغط على الاحتياط، ويجعل إسرائيل تعتمد أكثر من أي وقت مضى على الدعم الأمريكي المباشر.

3. الشرعية الدولية المتآكلة: تحويل المناطق العازلة المؤقتة إلى احتلال طويل الأمد يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، ويغذي الرواية التي بدأت تتشكل في الغرب بأن إسرائيل لم تعد دولة تبحث عن أمن، بل قوة إقليمية تدير احتلالات متعددة. 

المفارقة الكبرى أن هذه العقيدة تفشل في تحقيق هدفها الأصلي، فإن فكرة إبعاد الخطر عبر الجغرافيا أثبتت فشلها في عصر الصواريخ والمسيرات، فالمشكلة ليست أن المناطق العازلة عديمة القيمة العسكرية بل أن قيمتها التكتيكية لا تكفي لإنتاج حل استراتيجي للصراع.

الخاتمة: الفخ الاستراتيجي

إسرائيل اليوم تقع في فخ صنعته بنفسها، هي تدرك أنها لا تستطيع القضاء على خصومها، لكنها لا تريد الذهاب إلى تسوية سياسية حقيقية تنهي الصراع، كالذي تطرحه خطة ترامب الحالية التي تدعو للوقف الفوري للعمليات العسكرية. فاختارت إسرائيل الحل الوسط: إدارة الصراع عبر الجغرافيا.  

وهي تحاول أن تخلق مسافة بينها وبين التهديد، لكنها في الوقت نفسه تنقل حدود الصراع إلى داخل أراضي خصومها، فتتحول المسافة الأمنية التي أنشأتها إلى جبهة جديدة0٠، فالتجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان، والتجربة الإسرائيلية نفسها في جنوب لبنان بين 1985 و2000، تؤكد أن كل منطقة عازلة تتحول بمرور الوقت إلى جبهة جديدة، وأن كل حزام أمني يحتاج إلى حزام أمني آخر يحميه.

بهذا المعنى، فإن عقيدة المناطق العازلة ليست استراتيجية للخروج من 7 أكتوبر، بل هي طريقة لإطالة أمد 7 أكتوبر إلى أجل غير مسمى.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
20 Aug 2026
director
المقال السياسي
نتنياهو بين دم غزة وصندوق الاقتراع
19 Aug 2026
director
المقال السياسي
النظام الانتخابي وأزمة النظام السياسي الفلسطيني
15 Aug 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
تقرير منظمة العفو الدولية كيف تحولت الهند إلى أحد أبرز مزودي إسرائيل بالسلاح
07 Aug 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
حين تُغرس السهام في الظهر طعنة القريب وأصل المأساة
04 Aug 2026
director
المقال السياسي
قرار الاحتلال بالسماح لقوة الاستقرار بالعمل في غزة: بين الاحتياج للعلاج والمسكنات الموضعية
29 Jul 2026
director
المقال السياسي
سفر الرعب القادم من طهران إلى إسرائيل
26 Jul 2026
director
المقال السياسي
مصير غزة عقب قرار حماس إنهاء حكمها
16 Jul 2026
director
المقال السياسي
من التهديد بالقضاء على إيران خلال ساعات إلى "أنا المستهدف"... قراءة في تهديد ترامب بالاغتيال
15 Jul 2026
director
المقال السياسي
الهدنة في غزة.. هل هي سلام مؤقت أم هدنة تنتظر رصاصة جديدة؟
15 Jul 2026
director
المقال السياسي
لماذا قد يسعى مجلس السلام لتحصين نفسه؟
14 Jul 2026
director
المقال السياسي
بين النقد والجلد الذاتي: مسؤولية الإعلام والمحلل والسياسي في زمن الأزمات
12 Jul 2026
director
المقال السياسي
بعد الطوفان… هل نحتاج إلى انتخابات أم إلى إعادة اكتشاف المشروع الوطني؟
11 Jul 2026
director
المقال السياسي
هل مصير الأسرى الفلسطينيين وأطباء غــزة؛ (الإعدام البطيئ أم الحرية)!!
07 Jul 2026
director
المقال السياسي
ما بعد الألف يوم: قراءة في المأزق الاستراتيجي وسيناريوهات الحسم
04 Jul 2026