غزة.. حين تصبح الطفولة ضحية إبادة اسرائيلية ممنهجة
08 Jun 2026

قتل الأطفال ليس حادثا طارئا في سجل الاحتلال بل هو عقيدة راسخة تتناقلها أجيال الحكومات الإسرائيلية بصفتها استراتيجية دولة لا مجرد تجاوزات فردية هنا يصبح الطفل الفلسطيني في غزة هدفا مشروعا في نظر آلة القتل لأنه ببساطة يمثل المستقبل الديموغرافي الذي يهدد أوهام النقاء العرقي لديهم فاستئصاله اليوم يعني في قاموسهم منع مقاوم محتمل غدا.

أكتب هذه الكلمات وقلبي مثقل بالوجع فأنا لا أتحدث عن أرقام مجردة بل عن طفولة اغتيلت قبل أن تكتمل عن ضحكة دفنت تحت الركام عن حلم صغير تبخر بفعل صاروخ ذكي الصنع غبي الضمير كل طفل يسقط هو إدانة كاملة للصمت الدولي الذي تحول إلى شريك عبر صمت يخترق كل المواثيق الحقوقية.

الأرقام الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة تقول إن آلاف الأطفال سقطوا في غزة خلال الأشهر القليلة الماضية لكن الرقم الحقيقي أبشع بكثير لأن هناك جثثا صغيرة لا تزال تحت الأنقاض لم تستطع فرق الإنقاذ انتشالها لتصبح المقابر الجماعية شواهد صامتة على فظاعة لا يستوعبها عقل بشري هذه ليست أضرارا جانبية كما يحلو لآلة الإعلام الغربي تسميتها بل هي سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ الأرض من ساكنيها الأصليين ما يزيد عن٢٥الف طفل قتلوا بآلة الحرب الإسرائيلية على غزة خلال الثلاث سنوات الماضية.

من الناحية القانونية الدولية نحن أمام جريمة حرب مكتملة الأركان وأمام إبادة جماعية بالمعنى الدقيق للمادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة فالقتل العمدي للأطفال واستهداف المستشفيات والمدارس ومنع الماء والدواء عن المواليد الجدد هي أفعال تنطوي على نية التدمير الكلي للجماعة البشرية في القطاع وعندما تموت رضيعة بسبب انقطاع الأكسجين عن الحاضنة فإننا أمام جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

السياسة الإسرائيلية تتعامل مع الطفولة بصفتها تهديدا وجوديا فالمؤسسة العسكرية والأمنية تتبنى نظرية جز العشب التي تعني إعادة تدمير البنية التحتية البشرية كل بضع سنوات لضمان عدم تعافي المجتمع الفلسطيني وهنا يصبح استهداف الأطفال هو اللب الخبيث لهذه العقيدة لأن قتل طفل اليوم يعني في حساباتهم قتل المستقبل بأكمله إنهم يمارسون قتلا وقائيا بشعا يذكرنا بأحلك فترات التاريخ الإنساني.

الإعلام العبري والعالمي المنحاز يمارس تمويها مقصودا عبر لغة خشبية معقمة فهم لا يقولون مات طفل خنقا تحت الركام بل يقولون تضرر غير مقاتلين ولا يقولون استشهد رضيع بل يقولون وقوع إصابات في صفوف المدنيين هذه الهندسة اللغوية تخفي وراءها قبح الجريمة وتحول الضحية الصغيرة إلى مجرد رقم في شريط الأخبار العاجلة إنها جريمة قتل مزدوجة قتل الجسد ثم قتل الحقيقة.

أما الوجه الأعمق لهذه المأساة فهو الإنساني حين تصبح الطفولة في غزة بلا طعم للحياة طفل يرتعد خوفا لا يفهم لماذا يسقط الموت من السماء طفلة تحمل أشلاء أختها في كيس بلاستيكي تبحث عن قبر يؤويها أطفال خرجوا من تحت الركام وحدهم وقد محت ملامحهم صدمة انفصال الأهل عن الحياة هؤلاء الناجون يحملون في قلوبهم الصغيرة ندوبا نفسية سترافقهم العمر كله إذا كتبت لهم الحياة أصلا فكيف لضمير العالم أن ينام وهناك طفولة كاملة تباد على الهواء مباشرة.

أعود وأكرر إن الضمير الإنساني في غيبوبة كاملة ونحن نعيش زمن الصمت المطبق على الجريمة فقتل الأطفال في غزة ليس حادثة عابرة بل هو عنوان سقوط الإنسانية جمعاء في وحل التواطؤ.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
غزة من العمق الاستراتيجي إلى الإنقاذ الوطني
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة ما بين مجاعة وعطش!!
07 Jun 2026
director
المقال السياسي
قانون الهيمنة في النظام الدولي والمعرفة المقاوِمة
03 Jun 2026
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026
director
المقال السياسي
بين النكبة وحرب الإبادة تكرار للعدوان واستمرار لنهج الاحلال الممنهج
15 May 2026
director
المقال السياسي
"فلسطــين" ما بين (نكـبـة48 و طـوفــان23)
15 May 2026