قتل الأطفال ليس حادثا طارئا في سجل الاحتلال بل هو عقيدة راسخة تتناقلها أجيال الحكومات الإسرائيلية بصفتها استراتيجية دولة لا مجرد تجاوزات فردية هنا يصبح الطفل الفلسطيني في غزة هدفا مشروعا في نظر آلة القتل لأنه ببساطة يمثل المستقبل الديموغرافي الذي يهدد أوهام النقاء العرقي لديهم فاستئصاله اليوم يعني في قاموسهم منع مقاوم محتمل غدا.
أكتب هذه الكلمات وقلبي مثقل بالوجع فأنا لا أتحدث عن أرقام مجردة بل عن طفولة اغتيلت قبل أن تكتمل عن ضحكة دفنت تحت الركام عن حلم صغير تبخر بفعل صاروخ ذكي الصنع غبي الضمير كل طفل يسقط هو إدانة كاملة للصمت الدولي الذي تحول إلى شريك عبر صمت يخترق كل المواثيق الحقوقية.
الأرقام الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة تقول إن آلاف الأطفال سقطوا في غزة خلال الأشهر القليلة الماضية لكن الرقم الحقيقي أبشع بكثير لأن هناك جثثا صغيرة لا تزال تحت الأنقاض لم تستطع فرق الإنقاذ انتشالها لتصبح المقابر الجماعية شواهد صامتة على فظاعة لا يستوعبها عقل بشري هذه ليست أضرارا جانبية كما يحلو لآلة الإعلام الغربي تسميتها بل هي سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ الأرض من ساكنيها الأصليين ما يزيد عن٢٥الف طفل قتلوا بآلة الحرب الإسرائيلية على غزة خلال الثلاث سنوات الماضية.
من الناحية القانونية الدولية نحن أمام جريمة حرب مكتملة الأركان وأمام إبادة جماعية بالمعنى الدقيق للمادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة فالقتل العمدي للأطفال واستهداف المستشفيات والمدارس ومنع الماء والدواء عن المواليد الجدد هي أفعال تنطوي على نية التدمير الكلي للجماعة البشرية في القطاع وعندما تموت رضيعة بسبب انقطاع الأكسجين عن الحاضنة فإننا أمام جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
السياسة الإسرائيلية تتعامل مع الطفولة بصفتها تهديدا وجوديا فالمؤسسة العسكرية والأمنية تتبنى نظرية جز العشب التي تعني إعادة تدمير البنية التحتية البشرية كل بضع سنوات لضمان عدم تعافي المجتمع الفلسطيني وهنا يصبح استهداف الأطفال هو اللب الخبيث لهذه العقيدة لأن قتل طفل اليوم يعني في حساباتهم قتل المستقبل بأكمله إنهم يمارسون قتلا وقائيا بشعا يذكرنا بأحلك فترات التاريخ الإنساني.
الإعلام العبري والعالمي المنحاز يمارس تمويها مقصودا عبر لغة خشبية معقمة فهم لا يقولون مات طفل خنقا تحت الركام بل يقولون تضرر غير مقاتلين ولا يقولون استشهد رضيع بل يقولون وقوع إصابات في صفوف المدنيين هذه الهندسة اللغوية تخفي وراءها قبح الجريمة وتحول الضحية الصغيرة إلى مجرد رقم في شريط الأخبار العاجلة إنها جريمة قتل مزدوجة قتل الجسد ثم قتل الحقيقة.
أما الوجه الأعمق لهذه المأساة فهو الإنساني حين تصبح الطفولة في غزة بلا طعم للحياة طفل يرتعد خوفا لا يفهم لماذا يسقط الموت من السماء طفلة تحمل أشلاء أختها في كيس بلاستيكي تبحث عن قبر يؤويها أطفال خرجوا من تحت الركام وحدهم وقد محت ملامحهم صدمة انفصال الأهل عن الحياة هؤلاء الناجون يحملون في قلوبهم الصغيرة ندوبا نفسية سترافقهم العمر كله إذا كتبت لهم الحياة أصلا فكيف لضمير العالم أن ينام وهناك طفولة كاملة تباد على الهواء مباشرة.
أعود وأكرر إن الضمير الإنساني في غيبوبة كاملة ونحن نعيش زمن الصمت المطبق على الجريمة فقتل الأطفال في غزة ليس حادثة عابرة بل هو عنوان سقوط الإنسانية جمعاء في وحل التواطؤ.