غزة اليوم في حالة "جمود ديناميكي
29 Mar 2026

في مشهد يبدو للوهلة الأولى ساكنا، تقف غزة عند مفترق طرق لا يقود إلى أي اتجاه واضح. لا حرب شاملة تُنهي المأساة، ولا سلام حقيقي يفتح أفق الحياة، بل حالة من "الجمود" الثقيل الذي يخنق تفاصيل اليومي ويعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا وقسوة.

بعد التحولات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها التصعيد المرتبط بإيران، ساد اعتقاد بأن المنطقة قد تشهد إعادة ترتيب للأولويات قد تنعكس على قطاع غزة. غير أن الواقع أثبت أن القضية الفلسطينية، وغزة تحديدا، لا تزال أسيرة حسابات دولية وإقليمية لا تضعها في موقع الحسم، بل في دائرة "الإدارة المؤقتة" للأزمة.

هذا الجمود ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المتشابكة. فإسرائيل تمضي في استراتيجية واضحة تقوم على إبقاء القطاع في حالة توازن هش: لا انهيار كامل يستدعي تدخلاً جذرياً، ولا استقرار يسمح بنهوض حقيقي. إنها معادلة "الإبقاء على الحافة"، حيث يبقى الإنسان الغزي عالقا بين البقاء والمعاناة.

على الضفة الأخرى، يضيف الانقسام الفلسطيني الداخلي طبقة أخرى من التعقيد. فغياب الرؤية الوطنية الموحدة يُفقد أي جهد سياسي أو دبلوماسي زخمه، ويُضعف القدرة على استثمار التحولات الدولية، مهما كانت محدودة. وفي ظل هذا الواقع، تتحول غزة إلى مساحة انتظار مفتوح، لا تملك أدوات تغيير مصيرها بشكل مستقل.

إقليميا، ورغم كثافة الأحداث، لم تنجح أي من التحولات الكبرى في كسر هذا الجمود. فالدول منشغلة بأمنها ومصالحها، والتحالفات تُبنى وتُفكك وفق حسابات بعيدة عن أولوية إنهاء معاناة غزة. أما دوليا، فما زال التعاطي مع القطاع يتم من زاوية إنسانية إغاثية أكثر منه كقضية سياسية تتطلب حلاً جذرياً.

ومع ذلك، فإن الجمود لا يعني الثبات المطلق. تحت السطح، تتشكل تحولات بطيئة في الوعي العالمي، تقودها وسائل الإعلام الجديدة وحالة التعاطف الشعبي المتزايد مع الفلسطينيين. هذه التحولات، وإن بدت محدودة التأثير الآن، قد تشكل في المستقبل عنصر ضغط حقيقي يعيد تحريك المياه الراكدة.

إن أخطر ما في حالة الجمود ليس غياب الحل، بل الاعتياد على غيابه. حين يصبح الألم يوميًا، والحصار واقعاً طبيعياً، يفقد الحدث صدمته، وتفقد القضية زخمها. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف يمكن كسر هذا التكيف القاتل مع الأزمة؟

غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة تعريف موقعها في المعادلة السياسية. تحتاج إلى إرادة فلسطينية موحدة، وضغط دولي حقيقي، وخروج من دائرة التوظيف الإقليمي. دون ذلك، سيبقى الجمود سيد الموقف، وسيبقى السؤال معلقًا: إلى متى؟

في النهاية، قد لا يكون الجمود نهاية الطريق، لكنه بالتأكيد أخطر مراحله، لأنه يمنح الجميع وهم الاستقرار، بينما الحقيقة أن كل شيء مؤجل… وقابل للانفجار في أي لحظة.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
قانون الهيمنة في النظام الدولي والمعرفة المقاوِمة
03 Jun 2026
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026
director
المقال السياسي
بين النكبة وحرب الإبادة تكرار للعدوان واستمرار لنهج الاحلال الممنهج
15 May 2026
director
المقال السياسي
"فلسطــين" ما بين (نكـبـة48 و طـوفــان23)
15 May 2026
director
المقال السياسي
من أوسلو إلى المليشيا الوظيفية، كيف أُعيد تعريف العدو في الوعي الفلسطيني؟
14 May 2026
director
المقال السياسي
حدود القوة المطلقة: قراءة في سيكولوجية التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي وعقلنة الانسحاب
13 May 2026