حين تتحول المعارضة إلى رهان خارجي: فلسطين وفنزويلا نموذجاً
22 Jan 2026

في الأدبيات السياسية، يُشار إلى نمط متكرر في الدول الواقعة تحت الاحتلال أو الضغط الخارجي، يُعرف بتدويل الصراع الداخلي، حيث تراهن قوى سياسية داخلية على تدخل أو ضغط خارجي لتغيير موازين السلطة، بدل الاعتماد على التراكم الداخلي والشرعية الشعبية. هذا النمط لا يقتصر على حالة بعينها، بل يظهر بوضوح في تجارب تاريخية وكذلك معاصرة، من بينها فلسطين وفنزويلا.

في فنزويلا، تمثل ماريا كورينا ماتشادو أحد أبرز تعبيرات هذا التوجه. ففي تصريحات علنية متكررة منذ عام 2019، دافعت ماتشادو صراحة عن العقوبات الأمريكية، واعتبرتها وسيلة ضرورية لإسقاط حكومة نيكولاس مادورو. في مقابلات إعلامية دولية، أكدت أن تخفيف العقوبات قبل التغيير السياسي سيكون خطأً استراتيجياً، حتى في ذروة الانهيار الاقتصادي وتدهور الخدمات الأساسية. هذا الموقف، بالنسبة لمنتقديها، يشكل انتقالاً واضحاً من معارضة داخلية إلى تبني أدوات ضغط خارجي ذات كلفة اجتماعية عالية.

 هذه الرؤية تتعامل مع العقوبات الخارجية كرافعة مركزية للتغيير، دون تقديم تصور عملي لكيفية حماية المجتمع من آثارها، أو ضمان عدم تحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الدولية. هكذا، تتحول المعارضة من فاعل داخلي وطني إلى جزء من معادلة ضغط دولية.

في الحالة الفلسطينية، يظهر منطق مشابه يروج له جناحي حركة فتح عموماً. الرئيس الفلسطيني أبو مازن طالب عام 2015 في القمة العربية بتبني نموذج عاصفة الحزم لحل الانقسام الفلسطيني بحسبه.

أما بالنسبة لتيار الاصلاح في فتح، عبّر ممثلون عنه في أكثر من محطة عن مواقف نقدية حادة للمقاومة من منطلق ينسجم مع رؤى إقليمية تعتبر المقاومة عبئاً سياسياً ينبغي تحييده أو احتواؤه. مواقف وخطاب يقدّم "الاستقرار الإقليمي" و"الترتيبات الأمنية" أولوية على حساب الحقوق المشروعة أو الإجماع الوطني الفلسطيني، وفي لحظات عدوان مباشر من الاحتلال.

يُصنَّف هذا السلوك عادة ضمن ما يُعرف بالشرعية المستوردة، أي السعي لاكتساب النفوذ عبر الاعتراف والدعم الخارجي بدل التفويض الشعبي.

الجامع بين الحالتين في فنزويلا وفلسطين، هو السلوك السياسي لا السياق. ففي كلا الحالتين، يتم تبرير الضغط الخارجي بوصفه أداة تغيير ستحمل الرفاه للمواطنين، دون إجابة كافية عن سؤال الكلفة الاجتماعية، أو عن مآلات القضايا الكبرى بعد التغيير. بهذا السلوك السياسي يتم اختزال السيادة في خطاب شعبوي، بينما تُقيَّد فعلياً بارتباطات خارجية.

على أرض الواقع، قد يحقق هذا النمط حضوراً سياسياً وقت اشتداد الأزمات، لكنه يفشل في بناء استقرار طويل الأمد. فالسلطة التي تُبنى تحت ضغط الخارج، تبقى أسيرة شروطه، ومعرّضة للانهيار عند أول تبدّل في المصالح الدولية، ولدينا مثال السلطة الفلسطينية معبراً بشكل صارخ عن ذلك.

في فلسطين كما في فنزويلا، لا يكمن الخطر في الاختلاف السياسي، بل في تحويل معاناة الشعوب إلى أداة تفاوض سياسي، وحين تُفقد البوصلة، لا يعود السؤال من سيحكم، بل أي قضية ستبقى.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
تفكيك خطاب الأزمة البنيوية في المشروع الصهيوني
13 Apr 2026
director
المقال السياسي
كيف نستثمر انتصار المقاومة..ثمرة الدم ترسيخ الانتصار
11 Apr 2026
director
المقال السياسي
غزة وانتقال النظام الدولي من النوع الثاني (IR²⁺) النسبي إلى النوع الثالث (IR³) الشبكي
11 Apr 2026
director
المقال السياسي
وهم الحياد في البيئات المستقطبة حين يتحول التموضع الرمادي إلى انكشاف استراتيجي
11 Apr 2026
director
المقال السياسي
خطاب أبو عبيدة وثيقة عسكرية.. تعيد رسم خرائط النار وتعلن ولادة جبهة إقليمية لا تعترف بحدود سايكس بيكو
06 Apr 2026
director
المقال السياسي
إقالة رئيس الأركان الأمريكي في قلب الحرب: تطهير القيادة أم تمهيد للضربة النهائية؟
04 Apr 2026
director
المقال السياسي
"إغلاق المسرى .. وإعدام الأسرى"؛ كلاهما قوانين متطرفة لتصفية القضية الفلسطينية
04 Apr 2026
director
المقال السياسي
الاستقرار الإقليمي يبدأ من فلسطين مروراً بسوريا
02 Apr 2026
director
المقال السياسي
غــزة بين سنديان الأمان والفلتان
31 Mar 2026
director
المقال السياسي
غزة اليوم في حالة "جمود ديناميكي
29 Mar 2026
director
المقال السياسي
اعدام الأسرى… وجه الاحتلال الوحشي الذي يتحدى القانون الدولي
28 Mar 2026
director
المقال السياسي
العدوان علي ايران فشل للدبلوماسية الامريكية
25 Mar 2026
director
المقال السياسي
فلسطين بين طموح بكين واستراتيجية واشنطن في منطقة الشرق الأوسط
24 Mar 2026
director
المقال السياسي
اغلاق الأقصى.. مخططات التهويد والتقسيم وواجب النصرة
19 Mar 2026
director
المقال السياسي
تآكل الردع التقليدي وهندسة "التصعيد المحسوب" في الشرق الأوسط
17 Mar 2026