الامر كان كبيرا ليس على الجسد الذي أثقله ركام المنزل فحسب؛ بل أكبر من ذلك بكثير على القلب فكان أثقل حينما تمخض عن هذا القصف ارتقاء (٢٢) فردا من عائلة الناجية الوحيدة هنادي سكيك.
كان صعب جدا على قلبها أن يسمع هذا اللقب وهي جريحة على سرير المستشفى لا تعلم ماذا حل بها وبعائلتها الكبيرة، ليأتي هامس على مسامعها "أنت الناجية الوحيدة".
كلما أرادت السؤال عن زوجها، ابنها، طفلته زوجته والدتها أشقائها والقائمة تطول فتجيب كلمة "الناجية الوحيدة" أي أن كل من كان في المنزل استشهد.
رغم وجعها الغائر إلا أن قلبها نهض من جديد فأخذت خطواتها الأولى خلال مرحلة العلاج في استكمال حفظ القرآن الكريم فكان الشافي لوجع قلبها ورباطه بالصبر الجميل.
هي أيقنت بأنه لازال لها دور فلم تنتهي حكايتها الأمر الذي جعلها رغم الحرب وأوجاعه تتواجد في الميدان وتساند من كان بحاجتها.
أرادت أن تكتب الوجع وتوثقه حتى لاينسى عبر السنوات والأجيال اللاحقة فأعلنت عن ميلاد كتابها الثاني بعنوان :"بأي ذنب هدمت؟!…" وجع من تحت الركام، وحمل الغلاف صورة منزل عائلتها الذي قصف ولازالت جثامينهم تحت ركامها.
حمل الكتاب في أحشائه سبعين إجابة لسبعين سؤال عن حرب الإبادة على غزة، وشهادات للناجين.
وبالوقت ذاته كان عبارة عن مرجع وثقت من خلاله إحصائيات رسمية عن أعداد الشهداء، والجرحى، والأرامل والأيتام، والمساجد المقصوفة والمباني ذات القصف الكلي والجزئي، وكذلك المؤسسات التعليمية.
كانت وصيتها من خلف هذا الكتاب، على ضرورة أن يكتب الجميع حتى لاينسى الوجع ويكون شاهدا على حرب الإبادة حتى تبقى قضية"نحن أصحاب حق" أقوى من هول الانفجارات وصوت الطائرات وأزيز الرصاصات.