من حكايات الجدة إلى الشاشة: كيف يحمل الجيل الفلسطيني الجديد ذاكرة الوطن وحق العودة؟
18 Aug 2026

1-  استباحة الجغرافيا وترميم المتخيَّل

كلما اشتدت جرافات اقتلاع الفلسطيني من حيزه الجغرافي، تحولت معركة الذاكرة من رفاهية التذكر التاريخي إلى شرطٍ بنيوي للوجود والمقاومة. يعيش الجيل الفلسطيني الجديد سياقاً استثنائياً يتجاوز التربية الوطنية بمدلولاتها المدرسية التقليدية؛ فبين أجيال انخرطت في مقاعد الدراسة تحت وطأة القصف والنزوح، وأخرى تراجعت الأولوية التعليمية لديهما لصالح الصراع اليومي من أجل البقاء البيولوجي (البحث عن رغيف الخبز وجرعة الماء)، نبتت منطقة فارقة تتقدم فيها الهوية الرقمية على تفاصيل العيش المادي.

غير أن تراجع الأولوية المعرفية في لحظات الإبادة لا يعني اندثار الذاكرة. سبعة عقود ونصف من الحروب المتعاقبة، ومشاريع التسوية السياسية، وهندسة موازين القوى، لم تنجح في تصفية القضية أو إزاحة ملف حق العودة؛ لأن "جغرافيا المكان الغائب" لم تكن يوماً مجرد خطوط على خريطة سياسية، بل منظومة قيمية ومعرفية تعيد إنتاج نفسها عبر التفاصيل اليومية الصغيرة الصامتة.

قد لا تعني هذه الكليات الكثير لطفلة في الثامنة من عمرها، لكن الذاكرة الفلسطينية تمتاز بقدرتها على التسرب الحسي. في إحدى اللحظات المكثفة، وحين أعلن المذيع عبر الراديو اندلاع الكاتيوشا وصاروخية الإنذار في ميناء أسدود المهدمة، كانت الجدة تهلل متضرعة: "حاجة من ريحتنا وصلت بلدتنا.. ريتني طايرة مثل الصاروخ واصل هالأرض ومن روحي أعطيها"

لم تكن الكلمات مجرد رد فعل عاطفي، بل كانت صدمة معرفية لحفيدتها: ما الذي يربط امرأة طاعنة في السن بأسدود؟ وكيف يستحيل البارود "ريحاً وأقرباء"؟ لقد فتح ذلك التساؤل المباشر أفق الاكتشاف؛ فركبت الجدة مشهد التاريخ الموازي، راويةً أسماء العائلات المجاورة، وعدد الدونمات المفتقدة، وطبيعة المواسم الزراعية. لم تكن تلك الحكايات المقتضبة درساً منبرياً في التاريخ، بل مارست وظيفتها الأنتولوجية ("علم الوجود" أو الدراسة الفلسفية لطبيعة الكينونة والوجود): تحويل المكان الذي لم تره الطفلة إلى مكوّن أصيل في وعيها، وجسر ينقل الانتماء من مجرد معلومة إلى هوية وجودية.

2- من الشفهية إلى الشبكة: تحولات الفضاء الرقمي

مع انغماس الأجيال الجديدة في الفضاءات السيبرانية، يسود انطباع أولي بأن الهوية الوطنية الملتصقة بالمكان باتت مهددة بالذوبان لصالح هوية رقمية معولمة وعابرة للجغرافيا. غير أن الفحص التحليلي ينفي فرضية الاستبدال الصارم، مبيناً وجود علاقة "إعادة إنتاج ومزاوجة"؛ إذ يستحيل الفضاء الرقمي وسيطاً حيوياً لتسجيل الذاكرة وإعادة بثها.

تؤكد الباحثة جانيت حبشي في دراستها الفذة "

الأطفال الفلسطينيون: صُنّاع الذاكرة الجمعية"

هذا المنعطف المعرفي؛ إذ كشفت عبر مقابلاتها مع أطفال المخيمات والقرى في الضفة الغربية أن الطفل الفلسطيني ليس مجرد مستهلك أو متلقٍ سلبي للذاكرة الشفهية التي يصوغها الكبار، بل هو ذوات فاعلة تعيد صياغة الذاكرة وبناءها وفق مفاهيمها وأدواتها.

وفي فلسطين، حيث تشير بيانات عام 2025 إلى بلوغ مستخدمي الإنترنت زهاء 4.8 مليون شخص (بنسبة انتشار تقارب 86.6%)، ووجود أكثر من 2.3 مليون حساب نشط على منصات التواصل الاجتماعي، لا تتجلى الأهمية في السعة الرقمية مجرّدة، بل في الكيفية والسياق؛ فالصورة العتيقة التي تحمل اسم قرية مهجرة، والشهادة المسجلة لناجٍ من النكبة، والوثيقة المملوكة لعائلة مدونة، تتحول عبر الشبكة من "مقتنيات عائلية خاصة" إلى "أرشيف رقمي عابر للحدود" يمتلك قدرة اختراق الرواية السائدة ومخاطبة الوعي العالمي.

3-  المعركة على المعنى: خوارزمية الاختزال مقابل متانة الأرشيف

هذا الانتقال الحركي للذاكرة من شفاهية الجدة داخل البيت إلى شاشات الهواتف المحمولة يضع الرواية الوطنية أمام تحديات جديدة في معركة الوعي؛ إذ أضحت فلسطين بالنسبة لقطاعات واسعة من الجيل الجديد تُختزل مرئياً في صور الدمار، وأرقام الضحايا، والأخبار العاجلة، بينما تتوارى بالتدريج أسماء القرى المتميزة، والتاريخ الثقافي، والتفاصيل الاجتماعية التي شيدت الذاكرة الأصيلة.

تكمن الإشكالية المعقدة هنا في نمط استهلاك المعرفة؛ ففي بيئة خوارزمية شديدة السرعة، تحل مقاطع الفيديو القليلة ومستقطبات الرأي السريعة محل التوثيق التاريخي والشهادات المعمقة. إن الخطورة لا تكمن في تغيير الأدوات – فالتحول الوسائطي أمر طبيعي في سيرورة التاريخ – بل في أن تحل السرعة محل التحقق، وأن يستحيل اختصار النص اختزالاً للقضية ذاتها. الفضاء الرقمي الذي منح الفلسطيني سلطة الرواية والتفنيد هو ذاته فضاء مفتوح على خوارزميات التوجيه، والتضليل، وتسطيح القضايا التاريخية المعقدة في شعارات بصرية خاطفة.

4-  تمثّلات العودة لدى فتيان المخيمات: قراءة في الميكانيزمات المعرفية للدراسة الاستطلاعية

في سياق السعي لفك شفرات التحول المفهومي لدى الأجيال الفلسطينية الصاعدة، أجريتُ دراسة استطلاعية ميدانية لصالح "المعهد الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية"؛ استهدفت عينة قصدية مُركّزة تكونت من 15 شاباً وفتاة تراوحت أعمارهم بين 12 و22 عاماً، جميعهم من ساكني مخيمات اللاجئين في قطاع غزة (بما تمثله المخيمات من ثقل رمزي وبؤرة كثيفة لتوارث الذاكرة الشفهية والتحولات الرقمية الحادة).

وقد أسفرت القراءة التحليلية لاستجابات المبحوثين عن مؤشرات رقمية ومفهومية ذات دلالة:

1.  الصلابة المفهومية والقطع مع النسيان: سجلت النتائج أن 80% من المشاركين يعبرون عن تمسك قاطع بـ "ثبات حق العودة" كجوهر لا يقبل المساومة أو الإزاحة. وتتجلى أهمية هذه النسبة في كون هذه الفئة العمرية (تحديداً الشريحة بين 12 و18 عاماً) قد وُلدت وتشكّل وعيها في بيئة محاصرة ومفصولة تماماً عن جغرافيا أرض الآباء والأجداد خلف الخط الأخضر، مما يثبت أن "الغياب الفيزيائي للمكان" لم يؤدِّ إلى "ضمور بصري أو ذهني" لصورته في مخيلتهم الوجودية.

2.  الأطُر الحقوقية والوعي المؤسسي: وصف 73.3% من أفراد العينة حق العودة باعتباره "حقاً قانونياً وسياسياً موجباً"، متجاوزين بذلك التوصيف العاطفي المجرد أو اختزاله في "أمنية يوتوبية". تعكس هذه النتيجة تحولاً بنيوياً في أدوات الجيل الجديد؛ إذ لم يعودوا يتلقون العودة كـ "قصة رومانسية عن الفردوس المفقود" يرويها الأجداد، بل كـ "قضية حقوقية وسياسية ذات أسانيد وموجبات" تمتلك أدوات انتزاعها وتمثلها في الفضاء الدولي.

3.  أنثروبولوجيا العينة ومحدودية التعميم: من الناحية المنهجية، لا يُتعامل مع هذه النتائج باعتبارها مسحاً شاملاً أو استطلاعاً ممثلاً إحصائياً لكافة القطاعات الشبابية الفلسطينية؛ نظراً لمحدودية حجم العينة وضبطها المكاني داخل مخيمات غزة. غير أن قيمتها الابستمولوجية تكمن في تقديمها "قراءة نوعية مكثفة (Qualitative Insights)" ومؤشرات أولية تحسسية تتناول الاتجاهات النفسية والمعرفية لجيل يقع في خط التماس المباشر بين المأساة الميدانية والانفتاح السيبراني.

4.  تداخل الشفاهي بالرقمي في المخيم: توضح الملاحظة الميدانية لأبناء هذه العينة أن العلاقة بالعودة لم تتراجع مع الابتعاد الزمني عن لحظة النكبة الأولى (1948)، بل بدأت تتخذ أشكالاً تعبيرية جديدة ومبتكرة؛ حيث يستعين فتيان المخيم بخرائط جوجل (Google Maps)، وتطبيقات الواقع المعزز، والأرشيفات الرقمية المصورة، لإعادة ترسيم حدود قراهم المهجرة (كـ أسدود، والمجدل، وسمسم، وهوج). لقد تحول الهاتف المحمول في أيدي شباب المخيم إلى "مجهر رقمي" يُستعاد من خلاله المكان المقتلع، ليصبح التفاعل الرقمي امتداداً وحافظاً للسردية الشفهية التي تلقوها داخل بيوت المخيم الضيقة.

5-  خاتمة: وسائط متغيرة لجوهرٍ صامد

يقف الجيل الفلسطيني الراهن في البرزخ الفاصل بين شفهية الأجداد وسيادة الرقم؛ يملك عبر هاتفه المحمول قدرة فائقة على إعادة ترسيم الخرائط، وتوثيق القرى المندثرة، وتحويل الوثائق المغبرة إلى مادة معرفية وسياسية سيارة.

إن السؤال المعرفي الحاكم لم يعد يتعلق بمقدار ما يختزنه الجيل القادم من معلومات، بل بالميكانيزمات والأدوات التي سيتذكر بها موطنه وتاريخه؛ فهل ينجح الأرشيف الرقمي البصري في صيانة التفاصيل الدقيقة للمكان والحق، أم تنجرف القيمة التاريخية في سيل المقاطع الخاطفة وصور الحروب المتلاحقة؟

لا توجد إجابات ناجزة بعد، لكن الثابت حتمياً هو أن الذاكرة الفلسطينية أثبتت مرونتها الصلبة؛ فلم تتوقف عند شيوخ النكبة، ولم تتجمّد في حكايات الآباء. لقد رحلت إلى الأحفاد، متخذة في كل مرحلة وعاءها المناسب. وكما كانت الذاكرة بالأمس تُحرس بلسان الجدة وسردها، فإنها اليوم تُحرس وتُوثق في ذاكرة الحفيدة الرقمية؛ ليشهد العالم أن الوسائط والأدوات تتغير وتتطور، بينما يظل جوهر الهوية ثابتاً لا ينكسر

المواضيع ذات الصلة
director
المقال الثقافي والاعلامي
مريم… حين تصبح الأم ذاكرة وطن
21 Jun 2026
director
المقال الثقافي والاعلامي
هل أنت من النخبة؟
10 Jun 2026
director
المقال الثقافي والاعلامي
ماذا يجري داخل المراكز التعليمية في غزة؟
12 May 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال الثقافي والاعلامي
دبلوماسية المواقف والتحليل السياسي
09 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
لعنة العقد الثامن.. إسرائيل تواجه مصيرها التاريخي
07 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الانتحار الاستراتيجي ترامب ونتنياهو على أعتاب الخسارة الحتمية في مواجهة إيران
05 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال الثقافي والاعلامي
أين لجنة التكنوقراط من غزة؟
04 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
تطور العدوان الامبريالي على إيران: دراسة في آليات الهيمنة والمقاومة
03 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الطوفان وإعادة هندسة الإقليم: من الكسر إلى إعادة التشكيل
02 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
إيران بين الرماد والقيامة: استشهاد القائد وصناعة النصر في مواجهة العدوان
01 Mar 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الإقتصادي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الطوفان الممتد من غزة إلى إيران… التوريط الإقليمي والمكاسب الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية
28 Feb 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
آفاق العدوان الإمبريالي على إيران وتداعياته على الشرق الأوسط
28 Feb 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الحق يصرخ اوقفوا تغول الشبح التلمودي على المسجد الأقصى
28 Feb 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال الثقافي والاعلامي
تضييق الخناق على العمل الدولي في غزة: سياسة إدارة الأزمة أم تعميقها؟
27 Feb 2026
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الثقافي والاعلامي
تصعيد الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة: عنف مستوطنين وتواطؤ أمريكي
26 Feb 2026