ما أجملك يا مريم بين نساء العالم…
ليست كل النساء يُكتب لهن أن يعبرن من مساحة الحياة الخاصة إلى ذاكرة الشعوب. هناك أمهات يعشن تفاصيلهن بصمت، وهناك أمهات تتحول كلماتهن إلى شهادة على زمن كامل. مريم واحدة من أولئك النساء اللواتي تجاوز حضورهن حدود العائلة، ليصبحن جزءًا من رواية شعب يبحث عن معنى وجوده في قلب العواصف.
مريم، والدة أحد أبطال “نفق الحرية” من سجن جلبوع، تقف في الوعي الجمعي الفلسطيني كصورة للأم التي لم تكن مجرد شاهدة على تجربة ابنها، بل كانت جزءًا من البيئة النفسية والثقافية التي شكلت وعيه.
قبل عشرين عامًا، وفي لحظة تختصر الكثير من تعقيدات الصراع، وقفت أمام الحاكم العسكري الإسرائيلي. رجل يحمل سلطة السجن والقرار، ويجلس في موقع يحدد مصائر الناس تحت واقع الاحتلال.
طلبت مريم منه أن يحكم على ابنها عشرين عامًا.
نظر إليها باستغراب، وكأنه لا يفهم كيف يمكن لأم أن تطلب حكمًا طويلًا على ابنها.
سألها: لماذا؟
فجاء ردها من مكان أعمق من اللحظة:
“لأنني أنا التي ربيته، وأنا أعرفه… سيخرج بعد عشرين سنة، وسيعود ليواجهكم من جديد.”
لم تكن كلمات مريم مجرد تحدٍ عابر، بل كانت تعبيرًا عن فكرة تاريخية أوسع: أن الإنسان لا يُختزل في سنوات الاعتقال، وأن السجون قد تغلق الأبواب على الأجساد، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تغلق الأسئلة الكبرى داخل الإنسان.
وحين خاف الابن على أمه وقال لها: “بلاش يا أمي، أنا خايف عليك”، لم يكن خوفه من السجن، بل خوف الابن على قلب أمٍ تحملت ما لا يُحتمل.
لكن مريم أجابته:
“يا ولدي لا تخاف، هذا طريق عرفناه، ورسمناه بأيدينا.”
هذه الجملة تختصر الكثير من علم الاجتماع السياسي للصراعات الطويلة؛ فالأفكار لا تولد فقط في ساحات المواجهة، بل في البيوت، في التربية، في الذاكرة، وفي الطريقة التي تفسر بها المجتمعات معنى الألم والتضحية والانتماء.
ومن منظور استراتيجي، فإن أي صراع ممتد لا يدور فقط حول الأرض والقوة، بل حول الرواية والمعنى. فالقوة العسكرية تستطيع أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها تواجه دائمًا سؤال الشرعية والذاكرة، لأن الشعوب لا تُعرّف فقط بما تملكه من أدوات، بل بما تحمله من تصورات عن نفسها ومستقبلها.
مريم هنا ليست فقط أمًا لأسير، بل نموذجًا لدور المرأة في صناعة التاريخ. المرأة في المجتمعات التي تعيش التحولات الكبرى لا تكون خلف المشهد دائمًا، بل تكون في قلب عملية تشكيل الوعي، تربي، وتصبر، وتحمل عبء الانتظار، وتصنع من التجربة الفردية معنى جماعيًا.
قد يختلف الناس في تقييم الأحداث السياسية ومسارات الصراع، لكن لا يمكن تجاهل البعد الإنساني العميق في صورة أم تقف أمام سلطة قوية، وتحمل في داخلها يقينًا بأن الإنسان أكبر من اللحظة التي يُحاصر فيها.
لهذا تبقى مريم قصة تتجاوز شخصها؛ لأنها تذكرنا بأن التاريخ لا تصنعه فقط القرارات الكبرى، بل تصنعه أيضًا كلمات بسيطة تخرج من أفواه أمهات يعرفن أن خلف كل إنسان قصة، وخلف كل قصة ذاكرة.
ما أجملك يا مريم، لأنك لم تكوني فقط أم أحد الأبطال، بل صورة لأمومة حملت معنى الصبر، ولذاكرة شعب لا ينسى.