لم تعد مجازر الاحتلال في غزة قابلة للفصل عن الحسابات السياسية لبنيامين نتنياهو وحكومته فالقصف الذي يستمر بالتوازي مع الاتصالات السياسية والجهود الأمريكية والإقليمية لوقف إطلاق النار لا يمكن قراءته فقط باعتباره فعلا عسكريا له أهدافه المعلنة بل ينبغي النظر إليه باعتباره جزءا من منظومة أوسع تتداخل فيها الحرب مع التفاوض ومعركة البقاء السياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية الذي يقترب من استحقاقات انتخابية ويواجه بيئة داخلية شديدة التعقيد.
المفارقة أن نتنياهو لا يبدو معنياً فقط بكيفية إنهاء الحرب وإنما بكيفية الوصول إلى الانتخابات من موقع سياسي يسمح له بتوظيف الحرب في إعادة بناء صورته أمام الجمهور الإسرائيلي فكلما تعقدت المفاوضات وكلما بقيت غزة حاضرة في المشهد الأمني أمكنه إعادة إنتاج نفسه باعتباره رجل الأمن القادر على مواجهة ما يسميه الخطر الوجودي ولذلك فإن دماء الفلسطينيين تتحول في هذه المعادلة إلى مادة سياسية يجري توظيفها في الداخل الإسرائيلي لا باعتبارها مأساة إنسانية تستوجب التوقف وإنما باعتبارها وقودا لخطاب أمني يبرر استمرار الحرب.
وهنا ينبغي فهم إصرار نتنياهو على إبقاء الملف العسكري مفتوحا باعتباره جزءا من استراتيجية سياسية لا مجرد قرار عملياتي فالانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب يفتح في إسرائيل أسئلة ثقيلة حول المسؤولية عن الإخفاقات وعن إدارة الحرب وعن الأسرى وعن كلفتها البشرية والاقتصادية كما يفتح الباب أمام محاسبة سياسية يمكن أن تصل إلى مستقبل الحكومة نفسها ولذلك فإن استمرار الحرب يمنح نتنياهو فرصة لتأجيل لحظة الحساب وإعادة تعريف المعركة باعتبارها معركة أمن قومي لا معركة على مستقبل سياسي شخصي.
ومن هذه الزاوية يصبح تعطيل مسار التفاوض أكثر من خلاف حول بنود الاتفاق فالمفاوضات الناجحة تعني بالضرورة انتقال نتنياهو من منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة التسوية وهو انتقال يحمل مخاطر سياسية كبيرة بالنسبة إليه لأن وقف إطلاق النار الشامل وانسحاب القوات وفتح مسار سياسي لإعادة إعمار غزة تعني إغلاق الملف الذي استطاع من خلاله أن يضع كل الأسئلة الأخرى في الخلفية أما إبقاء غزة في حالة اشتعال منخفض أو متقطع فيمنحه هامشا للاستمرار في تعبئة المجتمع الإسرائيلي حول الخوف والتهديد والعدو الخارجي.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها الإعلام الفلسطيني والعربي طويلا لأن القضية ليست فقط في عدد الشهداء الذين يسقطون في كل غارة وإنما في النظام السياسي الذي يجعل قتل الفلسطينيين قابلا للتحويل إلى رأسمال انتخابي داخل إسرائيل فحين تسقط الضحايا المدنية بينما تتحرك الوفود والوسطاء لإحياء التفاوض فإن المشهد يكشف تناقضا صارخا بين لغة الدبلوماسية ولغة القوة ويطرح سؤالا مركزيا حول ما إذا كان نتنياهو يستخدم التصعيد لتحسين شروط التفاوض أم يستخدم التفاوض نفسه لكسب الوقت حتى تصبح الحرب أكثر فائدة في حساباته الداخلية.
إن نتنياهو يعرف أن الانتخابات لا تُحسم فقط بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية وإنما في إسرائيل تحديدا بالقدرة على إقناع الناخب بأن الأمن مهدد وأن البلاد تحتاج إلى قيادة قوية وحاسمة وفي مثل هذه البيئة تصبح غزة مصدرا دائما لإنتاج خطاب الخوف ولذلك فإن استمرار العمليات العسكرية يسمح له بتثبيت معادلة سياسية بسيطة لكنها شديدة الفاعلية انتخابيا وهي أن هناك عدوا في الخارج وأن أي تراجع أمامه يمثل خطرا على إسرائيل وأن الرجل الذي يقود الحرب هو الأقدر على حماية الدولة.
غير أن هذه المعادلة تحمل في داخلها مفارقة سياسية وأخلاقية عميقة فنتنياهو الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الأمن يحتاج إلى استمرار الأزمة التي يدعي أنه يعمل على إنهائها لأن انتهاءها يفتح الباب أمام مساءلة أدائه ويعيد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بالفشل الأمني والاستخباري والسياسي وبمصير الأسرى وبكلفة الحرب وبالمسؤولية عن النتائج التي ترتبت عليها ولذلك فإن الحرب بالنسبة إلى نتنياهو ليست فقط معركة ضد حماس كما يقدمها للجمهور الإسرائيلي بل أصبحت أيضا وسيلة لإدارة الزمن السياسي وتأجيل الاستحقاقات الداخلية.
ومن هنا يمكن تفسير الحساسية الإسرائيلية تجاه المرحلة الثانية من الاتفاق فهذه المرحلة لا تعني فقط انسحابا أو ترتيبات أمنية وإنما تعني الانتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التسوية وهذا الانتقال يسحب من يد نتنياهو واحدة من أهم أدوات التعبئة السياسية ولذلك فإن كل يوم إضافي من القتال يمنحه فرصة إضافية لتثبيت سردية الحرب وتهميش الأسئلة الداخلية التي قد تكون أكثر خطرا عليه من أي خصم خارجي.
لكن الأخطر أن هذه السياسة تجعل الفلسطينيين يدفعون ثمن معركة انتخابية إسرائيلية لا علاقة لهم بها فالطفل الذي يسقط في غزة لا يعرف شيئا عن استطلاعات الرأي الإسرائيلية والمواطن الذي يفقد منزله لا يعرف شيئا عن حسابات الائتلاف الحكومي الإسرائيلي والعائلة التي تبحث عن مأوى لا علاقة لها بالصراع على مقاعد الكنيست ومع ذلك تتحول حياتها إلى متغير في معادلة انتخابية داخلية.
وهنا تتضح خطورة البعد السياسي للمجزرة الأخيرة فهي تأتي في سياق يفترض أن تكون فيه الأولوية للتهدئة وإعادة إطلاق المسار التفاوضي ولذلك فإن استمرار القصف يمكن أن يؤدي وظيفة مزدوجة بالنسبة إلى نتنياهو الضغط على الجانب الفلسطيني ورفع سقف مطالبه من جهة وإبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة أمنية من جهة أخرى وهذه هي النقطة التي يجب أن يلتقطها الخطاب الإعلامي الفلسطيني بوضوح دون الوقوع في اختزال القضية في مجرد اتهام سياسي.
فالمطلوب ليس القول إن نتنياهو يقصف غزة من أجل الانتخابات بمعنى أن كل غارة تصدر عنها دوافع انتخابية مباشرة وإنما المطلوب تحليل البنية السياسية التي تجعل استمرار الحرب مفيدا له انتخابيا وتسمح بتحويل الخسائر الفلسطينية إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية وهذا أكثر دقة وأقوى سياسيا من التفسير التبسيطي الذي يربط كل عملية عسكرية بحساب انتخابي مباشر.
وفي المقابل فإن استمرار هذا النهج يضع الولايات المتحدة والوسطاء أمام مسؤولية مختلفة فالمشكلة لم تعد فقط في إقناع الطرفين بالتوصل إلى اتفاق وإنما في منع استخدام القوة العسكرية لإعادة صياغة شروط التفاوض وفي منع تحويل الوساطة إلى مظلة زمنية يستثمرها نتنياهو لإدارة معركته الانتخابية فإذا كانت واشنطن تريد فعلا وقف إطلاق النار فإن عليها أن تجعل كلفة تعطيله أعلى من المكاسب السياسية التي يمكن أن يجنيها نتنياهو من استمرار الحرب.
إن المعركة الحقيقية إذن ليست فقط بين نتنياهو وحماس وإنما بين منطقين أحدهما يريد تحويل غزة إلى ملف انتخابي وأمني مفتوح يستطيع نتنياهو من خلاله تأجيل الحساب الداخلي وإعادة إنتاج نفسه كرجل حرب والآخر يريد تحويل وقف إطلاق النار إلى مدخل لمسار سياسي ينهي دورة العنف ويفتح الباب أمام إعادة الإعمار.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا في المشهد ليس فقط متى تتوقف الغارات وإنما من المستفيد من استمرارها وإلى متى يمكن أن تتحول دماء غزة إلى وقود في ماكينة السياسة الإسرائيلية فحين تصبح حياة الفلسطينيين مادة في حسابات صناديق الاقتراع الإسرائيلية فإن المأساة لا تعود مجرد حرب وإنما تتحول إلى استثمار سياسي في الدم وهو ما يجعل مسؤولية الوسطاء مضاعفة لأن المطلوب ليس فقط إيقاف القصف بل تجريد نتنياهو من القدرة على استخدام الحرب كأداة للبقاء السياسي وإعادة إخضاع القرار العسكري لمنطق التسوية لا لمنطق الانتخابات.