باعتقادي لم يكن تطرّق الرئيس الصيني شي جين بينغ لمسألة وقف إطلاق النار في غزة خلال لقائهالرئيس دونالد ترامب في يوم الخميس، 30 أكتوبر 2025 في مدينة بوسان ـ كوريا الجنوبية. حدثاً عرضياًأو مجرد مجاملة دبلوماسية في سياق لقاء ثنائي، بل كان إشارة محسوبة تُقرأ في إطار التحولات الجاريةفي النظام الدولي. فالقضية الفلسطينية، التي طالما وُضعت في هامش التنافس العالمي، باتت اليومحاضرة في مشهد إعادة رسم خرائط النفوذ، وكل كلمة تُقال بشأنها تحمل وزناً سياسياً ودلالياً ولعل ذلكأحد أبرز مكتسبات الشعب الفلسطيني ومقاومـ.ته بعد السابع من أكتوبر المجيد.
وبالتالي؛ إن الصين، وهي تدرك حساسية اللحظة الممتدة منذ اندلاع حرب غزة، أرادت توجيه رسالةمركّبة: "نحن لسنا غائبين عن ملفات الشرق الأوسط، ولسنا متفرجين على ترتيبات ما بعد النار". وعليهفإن؛ بكين اختارت أن تُقحم الملف في لقاء مع ترامب تحديداً، في لحظة تُختبر فيها علاقاتها مع واشنطنبين التنافس والتواصل، لتذكر الجميع بأن الشرق الأوسط يجب أن يُحتسب ضمن معادلة القوة العالميةوأن أي تسويات كبرى لن تمر دون موقف صيني حاضر.
هنا لا يتعلق الأمر باعتراف صريح بدور أميركي في التهدئة بقدر ما هو ممارسة ذكية لما يمكن تسميته بـ"الاعتراف المشروط" ؛ إقرار يتيح للصين الوقوف في موقع الشريك - أو المنافس - في إدارة الملفاتالساخنة، دون أن تُظهر نفسها كقوة صدامية. فالصين تتقدم ببطء، ولكن بثقة، وكما عودتنا تبني لنفسهامكاناً كفاعل متوازن يستطيع الحديث عن غزة من باب المسؤولية الدولية، وليس بدافع الإرثالاستعماري أو الحسابات الأمنية الضيقة.
في المقابل، *يحمل المشهد رسالة غير مباشرة للدول العربية والإسلامية:* حين تغيبون عن طاولة إنتاجالقرار، يصبح الصراع الفلسطيني بنداً في مفاوضات القوى الكبرى، ويُتداول مصير شعبكم بين عواصمبعيدة. ليس هذا انتقاصاً، بل دعوة لإعادة بناء المقاربة العربية الإسلامية تجاه القضية المحورية العربوالمسلمين، وتوسيع أدوات القوة من الدبلوماسية إلى الإعلام والاقتصاد والتكنولوجيا.
*أما بالنسبة للفلسطينيين،* *فالإشارة الصينية تمثل فرصة لا يجب تضخيمها وليس إهمالها.*
كون الصين تتحرك وفق مصالحها، لكن حضورها يمنح هوامش جديدة للضغط والمناورة.
وعليه فإن المشهد الدولي الحالي لا يحتمل الانتظار، بل يتطلب رؤية فلسطينية-عربية تبادر إلى استثمارالتوازنات بدل أن تكتفي بمراقبتها.
في النهاية، حين تُذكر غزة في لقاء بين قطبي العالم المتنافسين، فهذا ليس مجرد حدث خبري، بل دليلعلى أنّ الصراع بات مرآة لإعادة بناء ميزان القوى الدولي. أكرر الذكر بأن الصين تدخل المشهد بهدوء،والشرق الأوسط يعود ليكون مساحة اختبار للنفوذ العالمي. هنا تتغير اللغة، وتتغير الحسابات، وتُكتبفصول جديدة من السياسة الدولية على أرض فلسطين المحتلة.