في خضمّ عامين من الحرب والإبادة والخذلان الدولي، ما زال الفلسطيني يقدّم للعالم درسًا في صلابة الوعي قبل صلابة الجسد.
تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تقدّم حركة حماس على فتح، وارتفاع نسب التأييد لعملية طوفان الأقصى، ورفض أغلبية الفلسطينيين نزع سلاح المقاومة.
هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل صدى لتحولات عميقة في البنية النفسية والسياسية للمجتمع الفلسطيني، تعكس انتقالاً من مرحلة الغضب إلى مرحلة الوعي بالموقف؛ وعيٍ يميّز بين من يُمثّل القضية ومن يُتاجر بها.
فحين تتقدّم حماس في نسب التأييد رغم كلفة الحرب، فإن ذلك لا يعكس إعجاباً بالدمار، بل وفاءً لمن واجه العدوّ حين غاب الآخرون.
لقد سئم الفلسطيني من الخطاب السياسي الذي يبيع الأمل ولا يصنع التغيير.
فالثقة لم تعد تمنح لمن يملك المناصب، بل لمن يملك القدرة على حماية الكرامة الوطنية.
هذا التقدّم الشعبي هو في جوهره إعادة توزيعٍ للشرعية الوطنية، ورسالةٌ واضحة بأن الشرعية اليوم تُستمد من الموقف المقاوم لا من البيانات السياسية.
وهذا يعكس ارتفاع التأييد لحماس لتلاقي عاملين أساسيين:
رغبة المجتمع في سياسة أكثر صرامة تجاه الاحتلال، وتراجع الثقة في القيادة التقليدية التي فقدت قدرتها على الإقناع والإلهام.
فالشعب الذي يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعين عامًا يقيس الزعامة بقدرتها على ردّ العدوان لا على عدد بياناتها الدبلوماسية.
إنه انتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق فرض الإرادة، ومن خطاب الانتظار إلى فعل المبادرة.
حين أيّد الفلسطينيون عملية طوفان الأقصى، لم يفعلوا ذلك حبًا بالعنف، بل دفاعًا عن كرامتهم المهدورة وحقهم في الوجود.
كان الطوفان – رغم آلامه – لحظة استعادةٍ للكبرياء الوطني، ورسالة إلى العالم بأن الشعوب التي تُحاصَر لا تموت، بل تنفجر في وجه الظلم.
غير أن هذا الوعي يجب أن يتحوّل من لحظة انفعال إلى مشروع وطني يعيد ترميم الذات الفلسطينية، ويوازن بين المقاومة والبناء، بين التحرير والتنمية.
فقد كشفت نتائج التأييد أن أولويات الفلسطينيين لم تعد تتركز في تفاصيل الحياة المعيشية فحسب، بل في إعادة تعريف معنى الكرامة والسيادة.
إنها عودة إلى روح الانتفاضة الأولى، حيث كان الوعي الجمعي يرى في المقاومة اليومية شكلاً من أشكال الوجود.
لقد أدرك الفلسطيني أن الحرية ليست بندًا تفاوضيًا بل حقًّا وجوديًا، وأن المقاومة – بكل أشكالها – هي طريقٌ إلى إعادة التوازن بين المحتل والمقهور. فرفض نزع سلاح حماس لا يعني تفضيل العسكرة، بل يعكس ذاكرةً وطنية مريرة تعلّمت من كل تجارب التسليم.
فحين جُرّد الفلسطيني من سلاحه في لبنان والضفة، ترك وحيدًا أمام المذابح والسياسات الأمنية الإسرائيلية.
ولذلك فإن السلاح بالنسبة للفلسطيني ليس أداة عنف، بل رمز الأمان ووسيلة البقاء.
إنه رفضٌ للهشاشة، وإصرار على حماية الذات من عودة الاستبداد والاحتلال معًا.
إن اجتماع تأييد حماس والطوفان ورفض نزع السلاح يشير إلى أن المجتمع الفلسطيني بات يرى في القوة المقاومة جوهر هويته الحديثة.
فالفلسطيني الذي جرّب اتفاقيات التسوية واكتشف زيفها، لم يعد يرى الأمن في التنسيق الأمني بل في المعادلة الردعية التي تفرض الاحترام.
ورغم الجراح، ما زالت غزة تمثّل – في وعي الشعب – مختبراً للأمل والقدرة على الصمود، لا منطقة عبء كما يصوّرها الخطاب الغربي.
تؤكد هذه التحولات أن الشعب الفلسطيني لم يعد ينتظر الخلاص من أحد.
لقد تحوّل من جمهورٍ يُوجَّه إلى فاعلٍ يعيد توجيه بوصلة القيادة الوطنية.
لكن الخطر الأكبر اليوم يكمن في أن يظل هذا الوعي حبيس الغضب دون أن يتحوّل إلى مشروع وطني موحّد، يجمع المقاومة والسياسة والمجتمع المدني في رؤية واحدة.
فالثورة التي لا تنتج نظاماً عادلاً تتآكل ببطءٍ داخل ذاتها.
إن طوفان الأقصى، بما أحدثه من تحوّل نفسي وتاريخي، لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل ولادة جديدة للوعي الفلسطيني الذي يصرخ في وجه الجميع:
“لن نعيش دون كرامة، ولن نُحكم دون مقاومة.”