طوفان الأقصى وإعادة تعريف النصر: قراءة في سقوط الردع الإسرائيلي
25 Oct 2025

المقدمة


في معركةٍ هي الأطول والأعنف في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، وجد الكيان الصهيوني نفسه – على الرغم من تفوقه العسكري والتقني والاستخباري غير المسبوق – عاجزًا عن تحقيق ما سماه قادته بـ«النصر الكامل». فخلال أربعةٍ وعشرين شهرًا من حرب إبادةٍ ممنهجة على قطاعٍ محاصرٍ منزوع الإسناد الخارجي، لم يفلح جيش الاحتلال، رغم الدعم الأمريكي والأوروبي المفتوح، في كسر إرادة المقاومة الفلسطينية أو إخضاعها سياسيًا وميدانيًا.


لقد دمرت آلة الحرب الإسرائيلية – وفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) – أكثر من 72% من البنية السكنية في قطاع غزة، وارتكبت جرائم وُصفت من قبل مجلس حقوق الإنسان بأنها «إبادة جماعية منهجية»، أسفرت عن استشهاد ما يزيد على 67 ألف فلسطيني، وإصابة أكثر من 169 ألفًا آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.

ورغم هذا الخراب غير المسبوق، انتهت الحرب دون أن تتحقق وعود رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بـ«القضاء على حماس» أو «استئصال المقاومة من جذورها». بل إن استطلاعات الرأي الإسرائيلية – وعلى رأسها استطلاع «معهد الديمقراطية الإسرائيلي» في مايو 2025 – كشفت أن 62% من الإسرائيليين يرون أن دولتهم فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في غزة.


إن هذا الفشل لا يُقرأ في سياقه العسكري فحسب، بل في سياق أعمق: انهيار منظومة التفوق الإسرائيلي التي كانت تستند إلى أسطورة الردع والاستخبارات والتفوق التقني. من هنا، فإن فهم جذور هذا الفشل يستلزم العودة إلى لحظة الانفجار الأولى في السابع من أكتوبر 2023، وتحليل مسارات الحرب ومآلاتها في ضوء معادلة الإرادة مقابل القوة.


أولًا: الانهيار الاستخباري وسقوط أسطورة السيطرة


كانت الضربة التي تلقتها إسرائيل في صباح طوفان الأقصى بمثابة زلزال استراتيجي قلب مفاهيم الأمن الإسرائيلي رأسًا على عقب.

ففي ساعاتٍ معدودة، نجحت المقاومة الفلسطينية في اجتياز الجدار الإلكتروني الذي يُعدّ من أكثر الأنظمة الأمنية تعقيدًا في العالم، وعطلت شبكات المراقبة، ونفذت هجومًا متزامنًا على أكثر من ثلاثين موقعًا عسكريًا ومستوطنة، وأوقعت فرقة غزة في حالة شلل كامل، وأَسَرَت مئات الجنود والمستوطنين.


هذا الحدث لم يكن مجرد اختراق أمني؛ بل كان انهيارًا لمنظومةٍ طالما قدّمها الاحتلال للعالم بوصفها «الأكثر ذكاءً في الشرق الأوسط». لقد انكشفت حدود القوة الإسرائيلية أمام خصمٍ يفتقر إلى التكنولوجيا لكنه يمتلك عقل الإرادة، ليُعلن السابع من أكتوبر سقوط «عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي» القائمة على التفوق الاستخباري والإنذار المبكر.


ثانيًا: صمود المقاومة وتحوّل الحرب من ميدان إلى فكرة


رغم اجتياح الاحتلال لأكثر من 80% من مساحة القطاع، لم تفقد المقاومة تماسكها الميداني ولا سيطرتها على قرار القتال.

بل طوّرت تكتيكاتها لتتحول من جيش نظامي محدود إلى حركة حرب عصابات ذكية، تجيد استنزاف العدو في بيئةٍ حضرية معقدة. فالمقاومة لم تُقاتل لتنتصر عسكريًا بالمعنى الكلاسيكي، بل لتثبت أن الاحتلال غير قادر على كسرها رغم كل ما يمتلكه من تفوقٍ نوعي.


وقد فشل الاحتلال في تحقيق هدفه المركزي المتمثل في «تحرير الأسرى بالقوة»، واضطر بعد عامين من الاستنزاف إلى قبول صفقة تبادلٍ مهينة سياسيًا، حرر بموجبها أكثر من 1900 أسير فلسطيني، بينهم قيادات بارزة من أصحاب الأحكام العالية.

كما أن إعادة انتشار الأجهزة الأمنية التابعة للمقاومة فور وقف إطلاق النار شكّل دليلًا عمليًا على فشل إسرائيل في تفكيك بنية الحكم في غزة، وهو ما أقرّ به قادة عسكريون إسرائيليون في جلسات مغلقة وعلنية على حدّ سواء.


لقد أظهرت الحرب أن المقاومة لم تعد مجرد فصيلٍ محاصر؛ بل منظومة وعيٍ وقيادة وتنظيمٍ ذات امتدادٍ اجتماعي، تستمد قوتها من فكرةٍ لا يمكن تدميرها بالقصف: فكرة التحرر.


ثالثًا: الحاضنة الشعبية… الجدار الاجتماعي الذي لم يُكسر


لم تفهم إسرائيل، رغم عقود الاحتلال، أن المجتمع الغزّي ليس بيئةً يمكن تفكيكها بالإرهاب المادي.

فحين مارست سياسة الأرض المحروقة، واغتالت الحياة المدنية في المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، كانت تراهن على انهيار الحاضنة الاجتماعية للمقاومة.

لكن الواقع جاء عكسيًا؛ إذ تكاثفت البنية المجتمعية، وتعاضدت العشائر، ورفضت العائلات الفلسطينية عروض التعاون مع الاحتلال، رغم الجوع والدمار.


لقد فشلت الحرب النفسية والدعائية الإسرائيلية فشلًا ذريعًا في اختراق الوعي الجمعي، بل عززت الشعور الوطني والمقاوم.

وهكذا تحولت «الحاضنة» التي أراد الاحتلال تحطيمها إلى درع اجتماعي صلب، يعيد إنتاج المقاومة في كل بيتٍ وركنٍ من غزة، ويجعل من فكرة الاستسلام مسألة مستحيلة.


رابعًا: سقوط السردية الإسرائيلية أمام وعيٍ عالمي متحوّل


منذ اللحظة الأولى للحرب، شنّ الاحتلال حربًا موازية على الوعي العالمي، مستخدمًا أدواته الإعلامية لتبرير المجازر تحت ذريعة الدفاع عن النفس.

لكن تلك السردية انهارت تحت وطأة الحقيقة الموثقة. فقد كشفت وسائل الإعلام الغربية الكبرى (BBC، نيويورك تايمز، رويترز) زيف الادعاءات بشأن جرائم الاغتصاب وقطع الرؤوس، مما أدى إلى تفكك الغطاء الأخلاقي للحرب، وظهور حركة رأيٍ عالمي غير مسبوقة في دعم القضية الفلسطينية.


لقد تحوّلت صور الأطفال الشهداء تحت الأنقاض إلى وثائق إدانة إنسانية، نقلت الصراع من ميدان السياسة إلى محكمة الضمير العالمي.

ومع صدور قرار «محكمة العدل الدولية» في يناير 2025 بوجود أدلة معقولة على ارتكاب «إسرائيل» جريمة إبادة جماعية، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ السردية الإسرائيلية: مرحلة الانكشاف الكامل أمام العالم.


خامسًا: التآكل الداخلي والانقسام البنيوي في الكيان الصهيوني


لم تكن الخسارة في غزة مجرد عسكرية؛ بل ضربت بنية الكيان من الداخل.

فقد فجّرت عملية طوفان الأقصى الانقسامات السياسية الإسرائيلية إلى العلن، وأعادت فتح ملفات الفساد والتقصير والاستخفاف بالتحذيرات الأمنية.

وتحوّل الصراع بين الجيش والحكومة إلى معركة مفتوحة حول المسؤولية، حيث صرح رئيس الأركان هرتسي هليفي بأن «القيادة السياسية تجاهلت تحذيرات الأجهزة الأمنية، والفشل كان سياسيًا بالدرجة الأولى».


ترافق ذلك مع تظاهرات واسعة لعائلات الأسرى وضباط الاحتياط، ومع تراجع شعبية نتنياهو إلى أدنى مستوياتها، وفق استطلاعات يوليو 2025 التي أظهرت أن 71% من الإسرائيليين يرون أن حكومته فشلت في إدارة الحرب.

هذه الأزمة البنيوية تمثل أخطر ما واجه الكيان منذ تأسيسه، إذ لم تعد الخلافات سياسية فقط، بل وجودية تمس تعريف الدولة ووظيفتها الأمنية في الإقليم.


سادسًا: محدودية القوة وتهاوي خيار الحسم العسكري


بعد عامين من القتال، أدركت المؤسسة العسكرية أن التفوق الناري لا يعني السيطرة، وأن القوة حين تُفقد بوصلتها السياسية تتحول إلى عبء.

فقد غرقت وحدات النخبة في كمائن المقاومة داخل أحياء غزة، وارتفعت حالات الانتحار والرفض للخدمة العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث كشفت «هآرتس» عن تسجيل أكثر من 21 ألف حالة رفض للخدمة الاحتياطية، في مؤشرٍ على تفكك المعنويات.


لقد وصلت إسرائيل إلى نقطة العجز الإستراتيجي: لا تستطيع التقدم خشية الكلفة، ولا الانسحاب دون الإقرار بالهزيمة.

ولهذا صرّح وزير الأمن السابق بيني غانتس قائلاً: «لا يمكن قهر فكرة المقاومة بالقصف وحده، يجب إعادة تعريف الأهداف السياسية».

كما أقرّ رئيس الشاباك الأسبق نداف أرغمان بأن الحسم العسكري بات «وهمًا غير واقعي»، وهو اعتراف يُعد سابقة في التاريخ السياسي-الأمني الإسرائيلي.


الضغط الأمريكي المتزايد، والمخاوف من المحاكمات الدولية، وفشل مشاريع «الإدارة المدنية للقطاع»؛ كلها دفعت حكومة نتنياهو إلى الانخراط – مكرهة – في مفاوضات مع المقاومة، بعد أن فقدت القدرة على فرض شروطها بالقوة.


في الختام من هزيمة القوة إلى انتصار الإرادة


إن فشل إسرائيل في حسم معركة غزة رغم الدعم الغربي اللامحدود، والدمار الذي فاق كل تصور، يُشكل تحوّلًا بنيويًا في معادلة الصراع.

فمنذ قيام الكيان، لم تواجه تل أبيب اختبارًا وجوديًا بهذا العمق؛ إذ تحولت من «دولة ردع» إلى كيانٍ مطاردٍ قانونيًا وأخلاقيًا.

لقد سقطت هيبة القوة أمام منطق الإرادة، وتحوّل مشروع الإبادة إلى اعتراف ضمني بالهزيمة، تُجسده طاولة المفاوضات وصفقة الأسرى التي أعادت المقاومة من موقع الضحية إلى موقع الندّ.


اليوم، تُدرك النخب الإسرائيلية أن غزة لم تُهزم، بل أعادت تعريف مفهوم النصر نفسه، وأن انسحاب الاحتلال ليس نهاية الحرب بل بداية فصلٍ جديد من «معركة الإرادات» التي باتت فيها المقاومة تمثل المستقبل، فيما يغرق الكيان في أزمته البنيوية والأخلاقية والسياسية.


لقد فشلت إسرائيل في حسم معركة غزة لأنها – ببساطة – واجهت ما لم تستطع يومًا أن تفهمه: أن القوة المادية، مهما بلغت، لا تنتصر على فكرةٍ عادلةٍ تسكن وجدان شعبٍ قرر أن لا يُهزم.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الخديعة الكبرى: كيف شرعنّت واشنطن ضم الضفة وخطّت تهجير فلسطين — ترامب مهندس المصيدة
02 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
المطلوب من قادة العرب في قمة الدوحة
13 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الاغتيالات الإسرائيلية قوة متوهَّمة أم إقرار بالضعف البنيوي؟
10 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
مصر مركز الحسم في الصراع الإقليمي
07 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
منظمة شنغهاي والتداعيات المحتملة على واقع الحرب في غزة
02 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
من غيتو وارسو إلى غيتو رفح: مخطط الاحتلال لقتل وتهجير أهل غزة
24 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
جسراً للعبور لا سلماً للنزول
19 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
إسرائيل الكبرى": من الأساطير التوراتية إلى خرائط الهيمنة على الجغرافيا العربية
16 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الإقتصادي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي| المقال القانوني
بين برلين وغزة وفارق المساعدات الجوية
07 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
حين تُصبح المساعدات سلاحًا ضد الحقيقة قراءة في قرار ترامب وانهيار الرواية الصهيونية في الداخل الأميركي
05 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الحربُ الخمسيَّة على غزة وتبادل الأدوار لمَ هذا والمستهدَفُ جائعٌ وأعزل؟!
03 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
قطاع غزة: بين ازمة المثقف الفلسطيني والعربي
31 Jul 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
ملاحظات حول مؤتمر نيويورك للاعتراف بالدولة الفلسطينية
31 Jul 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الإقتصادي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
‎الولايات المتحدة وتأجيج الصراعات الإثنية والقومية: تكتيك جيوسياسي لكبح الصين وتطويق الخصوم
27 Jul 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
طوفان الأقصى وتجلّيات القرار المصيري: قراءة معرفية في لحظة الحسم الفلسطيني
06 Jul 2025