ليست الذاكرة الوطنية صندوقًا مغلقًا نحفظ فيه ما تبقّى من الصور والآلام، بل هي جهاز وعيٍ جماعيّ يُعيد للأمة توازنها بعد كل ارتطامٍ بالتاريخ.
فالشعوب التي تُجيد التعامل مع ماضيها لا تُكرره، بل تُعيد تشكيله وفق رؤيتها لمستقبلها. أما الشعوب التي تبكي ماضيها دون أن تفهمه، فهي تُسلِّم وعيها للجمود، وتتحول ذاكرتها إلى قيدٍ يَمنعها من التقدّم.
في الحالة الفلسطينية، لا يمكن الحديث عن التحرر دون الحديث عن الذاكرة الجمعية التي تشكّل حجر الزاوية في الهوية والمقاومة. غير أن هذه الذاكرة، إن لم تُدار بعقلٍ نقدي، قد تتحوّل إلى أداةِ تجميدٍ للزمن، لا إلى منبعٍ للفعل.
التاريخ ليس سجنًا نقيم فيه، بل محطة نعبرها لنفهم كيف وصلنا إلى هنا، وكيف نخرج مما نحن فيه.
فما لم يتحول التاريخ إلى أداة تحليلٍ واستشرافٍ، سيظلّ عائقًا أمام قدرتنا على إدارة الحاضر.
إن استدعاء الماضي لا يكون مثمرًا إلا عندما يكون هدفه واضحًا: استخلاص الدروس، معالجة الجذور العميقة للأزمات، وإعادة بناء منظومة الوعي التي تمكّننا من إدارة الواقع وتغييره.
أما حين يتحوّل التاريخ إلى ساحةٍ لتبادل الاتهامات، أو إلى وسيلةٍ لتبرير العجز، أو إلى منبرٍ لتضخيم الذات وإقصاء الآخر، فذلك لا يصنع وعيًا، بل يكرّس ترفًا فكريًا وجدلاً عقيمًا لا يليق بشعبٍ يخوض معركة بقاءٍ مفتوحة.
الذاكرة التي لا تُنتج وعيًا جديدًا تُعيد إنتاج العجز نفسه.
ومن هنا، فإن وظيفة الذاكرة الثورية هي أن تُحوّل الألم إلى طاقةٍ إيجابية للفعل، وأن تصوغ من الجراح خطابًا جديدًا يعيد للوعي توازنه.
فنحن لا نستدعي الماضي لنبكيه، بل لنفهمه ونُعيد تأويله بما يخدم الحاضر.
وهذا ما تحتاجه الأمة اليوم: وعيٌ يُوازن بين الوفاء للتاريخ والانطلاق نحو المستقبل، بين صدق الذاكرة وجرأة التجاوز.
إنّ كل لحظةٍ في تاريخنا، من النكبة إلى طوفان الأقصى، ليست مجرد ذكرى، بل درسٌ مفتوح في معنى الإرادة. والتاريخ الحقيقي ليس ما مضى، بل ما نقدر على قراءته في ضوء ما نعيشه الآن.
الخطر الأكبر الذي يواجه وعينا الوطني ليس الاحتلال وحده، بل انفصالنا عن الواقع.
حين نفقد القدرة على إدراك ما نحياه من أزماتٍ ومخاطر، ونكتفي بالبكاء على ما مضى، يتحوّل الماضي إلى جدارٍ يفصلنا عن الحاضر.
عندئذٍ لا تعود المشكلة جدلاً فكريًا، بل أزمة وجودٍ ووعي، تتطلب وقفةً حقيقية مع الذات.
فمن لا يُدرك موقعه في التاريخ، لا يستطيع أن يصنع موقعه في المستقبل.
وهنا تبرز الحاجة إلى تحويل الذاكرة إلى مشروع وطني مستقبلي، لا إلى مجرّد طقسٍ من الحنين. مشروعٌ يُعيد تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي وفق منهجٍ تحرريٍّ نقديٍّ يستثمر الذاكرة لبناء أدوات القوة لا لتغذية مشاعر الضعف.
وفي الختام إنّ ذاكرتنا الوطنية هي ميدان الصراع الأعمق، لأنها تُحدّد كيف نرى أنفسنا وكيف نرسم طريقنا.
فإذا جعلناها مصدرًا للفعل، أنتجنا وعيًا جديدًا قادرًا على إدارة الحاضر، ورسم مستقبلٍ أكثر عدلاً وكرامة.
أما إذا تركناها أسيرة الألم والماضي، سنعيد إنتاج العجز ذاته بثوبٍ جديد.
ليس المطلوب أن ننسى، بل أن نستفيق من أسر الذاكرة لنحوّلها إلى رؤية، والرؤية إلى فعل، والفعل إلى مشروع وطني واعٍ.
فالأمم لا تُشفى بنسيان ماضيها، بل بتحويله إلى طاقةٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ تُعينها على بناء غدٍ يليق بتضحياتها.
وحين نُحسن إدارة الذاكرة، نكون قد بدأنا بالفعل بناء المستقبل الفلسطيني الواعي الذي تتطلع إليه الأجيال.