لم يكن السابع من أكتوبر لعام 2023م مجرد جولة قتال عابرة، بل كان زلزالاً ضرب أركان المنظومة الأمنية الصهيونية، وأطلق شرارة البداية الفعلية لزوال "إسرائيل". فمن غزة المحاصرة، انطلقت رصاصة الفجر التي أعادت ترتيب موازين القوى، وكشفت عن وهن "الجيش الذي لا يقهر"؛ ليتحول الكيان من الهجوم والغطرسة إلى الدفاع المستميت عن بقائه، وسط معادلات إقليمية جديدة تتشكل بالدم والنار.
اليوم، يقف هذا الكيان الفاشي أمام حقيقة وجودية مرعبة؛ فالحرب لم تعد محصورة في قطاع غزة، بل تحولت إلى معركة كسر إرادات مفتوحة على جبهات متعددة. وإلى وقت قريب، كانت الاستراتيجية الصهيونية تقوم على الاستفراد بالساحات وتفتيتها، غير أن هذه السياسة بدأت تتآكل وتتحطم أمام صمود قوى المقاومة والتنسيق المتصاعد في "محور القدس".
منذ بداية معركة الطوفان، يسعى الاحتلال الإسرائيلي للاستحواذ على دعم أميركي مطلق، ليستعيد من خلاله هيبته المفقودة عبر توسيع رقعة المواجهة في المنطقة، لا سيما وأن العقيدة الأمنية للكيان تدفعه نحو استهدف دول المنطقة وقواها الواحدة تلو الأخرى، ظنًا منه أن هذا الاستفراد سيمكنه من إضعاف الجميع، وإعادة فرض هيمنته المطلقة.
لكن، ورغم ما تقدم، فإن ما يغيب عن قادة الاحتلال هو أن هذه السياسة العدوانية تولد بيئة استراتيجية مغايرة تمامًا؛ فكلما أمعن الكيان في غطرسته، استنزف مقدراته العسكرية والاقتصادية، وعمّق حالة التلاحم بين الجبهات.
إن استمرار هذا التغول لن يقود إلى إخضاع المنطقة، بل سيوصل الكيان إلى مرحلة متقدمة من الإنهاك والضعف الشامل، وحينها ستكون اللحظة التاريخية سانحة للانقضاض عليه من كافة الأطراف والاتجاهات، ليجد نفسه يواجه مصيره المحتوم دون قدرة من أحد على حمايته أو إنقاذه.
تتجلى ملامح هذا التحول الاستراتيجي في الجبهة اللبنانية، وهي الجبهة التي أراد الاحتلال والولايات المتحدة عبر بوابتها صياغة "شرق أوسط جديد" قائم على مسار موازٍ يسعى لإخراج لبنان من الصراع عبر تسويات سياسية وأمنية مجحفة، تمهد لضمّه إلى قطاع التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية بعد إضعاف جبهة المقاومة.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن واشنطن وتل أبيب، فالميدان فرض كلمته؛ حيث استدرجت المقاومة في لبنان قوات العدو نحو عمق أراضيها، وأمطرت جبهته الداخلية بمسيرات انقضاضية وصواريخ دقيقة، محولةً الحدود إلى ساحة استنزاف يومي لضباط وجنود الاحتلال.
وقد حظي هذا الإسناد الميداني بغطاء سياسي وعسكري حاسم من إيران، التي دخلت على خط المواجهة المباشرة لترسيخ قواعد اشتباك غير مسبوقة، تمثلت في الآتي:
معادلة الردع المباشر: لم تعد التهديدات الإيرانية حبيسة التصريحات، بل تُرجمت ميدانيًا عبر موجات واسعة من القصف الصاروخي الذي استهدف حيفا والجليل والجولان والعمق الصهيوني، مرسخةً معادلة "الرد بالمثل" والدفاع عن الحلفاء في وجه الاستباحة الصهيونية، وردًا على كل دعاية حاولت التشكيك في صدق النوايا.
إفشال المشاريع التصفوية: هذا الحضور العسكري والسياسي أسقط الرهانات على عزل المقاومة، وأثبت أن قطار الاتفاقات الإبراهيمية لم يتوقف فحسب، بل رُدمت مساراته التصفوية لصالح تثبيت خيار المواجهة الشاملة.
إن تصاعد هذا الصراع يضع المنطقة أمام سيناريوهين أساسيين يحمل كلاهما ملامح الفشل الصهيوني:
1- المواجهة الشاملة والممتدة: وهي مرحلة تعني حربًا واسعة النطاق تتداخل فيها الجبهات (كما شهدت جولات المواجهة بين الأعوام 2025 و2026)، ومثل هذا السيناريو سيؤدي إلى شلل التجارة الدولية، وارتفاع قياسي في أسعار الطاقة، واستهداف عميق لمصالح الداعمين والمطبعين، وهو ما سيزيد من عزلة الكيان واستنزافه.
2- تثبيت قواعد الاشتباك الجديدة: أن يتوقف التصعيد عند نقاط ردع محددة تخرج منها قوى المقاومة منتصرة بعد أن فرضت إرادتها، مما يعني استعادة المقاومة لسطوتها وإفشال مشاريع التفتيت والضم الإقليمي.
خلاصة القول: لقد ولّت الأيام التي كان فيها الاحتلال الإسرائيلي محصنًا والقرار بيده وحده، وتحولت صور الدمار التي كانت تقتصر على مدن العرب وأبنائهم إلى مشاهد رعب واختباء للمستوطنين في الملاجئ تحت ضربات الصواريخ. إن "طوفان الأقصى" لا يزال متواصلًا، والمفاجآت القادمة ستحمل في طياتها تلاحمًا أكبر للجبهات، حتى تتكامل الدائرة ويتحقق الانقضاض الشامل الذي ينهي وجود هذا الكيان الغاصب من جذوره؛ وهي مسألة باتت معالمها شاخصة، بل وأسرع مما يتخيله أي متابع وقارئ جيد لأحداث المنطقة.