في قطاع غزة؛ الناس تتحول من فرحة العيد إلى فاجعة الموت ما بين عدوان الاحتلال المتواصل سواء بصاروخ أو رصاصة أو قذيفة فالمصير واحد والمجازر ضد المدنيين مسلسل لم ينتهي يدفعه الغزيين بدمائهم الطاهرة غزة في عيد الأضحى المبارك تضحي بقادتها وتحج بدمائها، وحكومة الاحتلال لن تقبل بقطاع غزة كما كان عليه قبل السابع من أكتوبر؛ لا جغرافياً ولا ديمغرافياً ولا سياسياً ولا فكرياً، وهدف الاحتلال العريض والذي يحظى بإجماع المشروع الصهيوني هو تغيير البيئة التي أنتجت السابع من أكتوبر عبر تغيير السلطة الحاكمة وحل الفصائل ونزع السلاح ومواصلة الحرب والاحتلال الكامل بنسبة 100٪ وإطباق الحصار بمعنى آخر، حسم الصراع مع قطاع غزة وتحييد مقدرات فصائل المقاومة، كانت أهداف الحرب القضاء على حماس وتدمير الأنفاق ووقف الصواريخ ثم تراجعت أهداف الحرب إلى تحييد قدرات حماس والمقاومة ثم محاولات إحباط الإنجازات الشرطية وتفكيك خلايا المقاومة وإغتيال كوادر بشرية وتدمير مربعات سكنية، اليوم حكومة الاحتلال تلعب بشكل متوازي في مواصلة الحرب والعدوان من غـزة إلى لبنان بهدف المحافظة على رضا الأحزاب اليمينية المتطرفة داخل المجتمع الاسرائيلي وتعزيز دافع مركزي توليد روح الإنتقام وتعبئة الحقد والكراهية تجاه شعب غزة وتعزيز قوة الردع العسكري وكي الوعي الشعبي وتحييد أداء المنظمات العسكرية بغزة.
جولة جديدة من الاغتيالات للكوادر العسكرية والنشطاء الميدانيين في فصائل المقاومة الفلسطينية وبمقدمتهم "كتائب القسام" تمثلت في حالة من الاهتزاز داخل الصفوف وضعف في قدرة ترميم البنية التحتية والتعبئة الجهادية وتطوير الكوادر البشرية لقيادة المقاومة في المرحلة الجارية بوقتٍ عصيب أثر حرب الإبادة التي يمارسها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة للعام الثالث على التوالي وفق سياسة جَزِّ العِشِبْ الممنهجة لدى قوات جيشه وأجهزة استخباراته، فمنذ إتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار بغزة خلال أكتوبر المنصرم ولم تهدأ الخروقات الميدانية من جانب الاحتلال، فيما اعتمدت المقاومة الفلسطينية الصمت وتجديد تسلم هياكل القيادة بشكل سري للحفاظ على الكوادر والقيادات العسكرية من الاغتيالات، وبعد سبع شهور تحدثت القناة الرابعة عشر أن الجيش تلقى تعليمات منذ أسبوع بتصعيد عمليات القصف وعودة الاغتيالات في غزة لتطال كل العناصر وما تبقى من القيادة العسكرية لحماس في غزة، حيث تمكن الاحتلال من اغتيال عدد من الصف القيادي الأول لكتائب القسام وبعض الفصائل الفلسطينية والشرطة المدنية، حيث اغتال الاحتلال القائد العام الحداد ومن ثم اغتال عودة والبيك واسليم في اول ايام العيد المبارك وما زالت جولة الإغتيالات متواصلة بهدف ردع أي نشاط للمقاومة وإحباط كل فكرة تقدم في تطوير قدرات الفصائل الفلسطينية سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وأمام هذا الانسداد، لم يعد مجديا الإكتفاء بانتظار التزام الطرف الآخر، بل بات من الضروري للكل الفلسطيني صياغة استراتيجية مواجهة بديلة ترتكز على دفع الرعاية الدولية نحو ممارسة ضغوط حقيقية لحماية اتفاقها، و التمسك بمعادلة "الأمن المتبادل"، ورفض أي حديث حول الترتيبات الأمنية دون وجود ضمانات دولية مكتوبة تمنع الاغتيالات والتوغلات، واشتراط نشر الشرطة الفلسطينية كخطوة أولى لملء الفراغ الإداري والأمني، تدويل قضية الحصار ومعبر رفح، والمطالبة بإشراف أو رقابة دولية لضمان تدفق المساعدات وحرية الحركة، كما أن استمرار حرب استنزاف صامتة لتغيير معالم القطاع، يتطلب حراكا فلسطينيا جماعيا سريعا يوظف الأوراق السياسية والإنسانية لكسر حلقة الاستفراد الإسرائيلي وإعادة صياغة موازين الضغط للخروج من هذه الازمة، فغزة اليوم تقف عند مفترق طرق حرج، إما الاستسلام لسيناريو القضم والتدمير الصامت الذي يقوده الجيش الاسرائيلي، أو المبادرة برؤية فلسطينية موحدة ومحسوبة تفرض على المجتمع الدولي والوسطاء تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية للجم الخروقات وإنقاذ الاتفاق من الانهيار الشامل.
الخطورة البالغة في عودة جولات الإغتيال لا تكمن فقط في حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل في الهوية العسكرية للشخصيات التي كانت متواجدة داخل المبنى المستهدف، حيث سارعت وسائل الإعلام العبرية، وفي مقدمتها القناتين الثانية عشرة والخامسة عشرة، للإعلان عن أن القصف كان موجهاً بدقة لاغتيال قادة بارزين من الصف الأول للمقاومة في شمال القطاع، وأكدت التقارير الإسرائيلية أن الاجتماع المستهدف كان يضم (عز الدين البيك وعماد اسليم)، وهي أسماء تمثل ركائز أساسية في المنظومة الدفاعية والهجومية لكتائب القسام، وأمام هذا المشهد المتلاحق، يوجب التدقيق في التتابع الزمني الذي يظهر نمطاً مُرعباً، إذ بدأ الأمر قبل فترة باستهداف "عز الدين حداد"، ثم تلا ذلك بأيام قليلة اغتيال قائد القسام الجديد "محمدعودة" الذي لم يكد يتسلم مهامه حتى جرى رصده، وبعد ساعات معدودة من تلك الضربة، يتم قصف اجتماع سري لقادة كبار يضم قائد لواء الشمال ونائب لواء غزة، هذا التوالي السريع لعمليات الاغتيال الدقيقة لا يمكن تفسيره بالصدفة العسكرية، بل يشير بوضوح إلى احتمال وجود اختراق استخباراتي عميق، إما عبر شبكات تجسس بشرية على الأرض استطاعت الوصول لدوائر القرار الضيقة، أو من خلال تفوق تكنولوجي مرعب يربط برمجيات المراقبة الخبيثة بالذكاء الاصطناعي لتتبع البصمات الصوتية والتحركات الشخصية للقادة دون الحاجة لوسائل اتصال تقليدية، وفي هذا الصدد وأمام الاختبار الميداني والتكنولوجي لكوادر المقاومة الفلسطينية العمل وفق الخطط عالية السرية للمحافظة على النفس ومواصلة مشروع المقاومة على درب ونهج التأسيس في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ضربة استخباراتية جديدة تثير التساؤلات الحرجة وتضع المقاومة الفلسطينية أمام اختبار هو الأصعب منذ بدء الحرب، حيث تتسارع الأحداث الميدانية والأمنية في قطاع غزة بشكل يثير الذهول، فبعد ساعات قليلة من الإعلان عن استهدافات طالت هرم القيادة العسكرية لحركة حماس، عاد الاحتلال ليضرب من جديد وبعنف مستهدفا اجتماعا عسكريا سريا رفيع المستوى في قلب مدينة غزة، مما يفتح الباب واسعاً أمام التكهنات والتحليلات حول المدى الذي وصلت إليه الاختراقات الأمنية داخل بنية صفوف المقاومة.
في تحريض اعلامي واضح ضد غزة نقلت القناة 12 العبرية: أن الجيش الإسرائيلي سلم وثيقة إلى المستوى السياسي يحذر فيها من أن حركة حماس تستغل وقف إطلاق النار لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وتعمل على تنظيم وتعزيز بناء قوتها داخل قطاع غزة خلال إعادة تأهيل جناحها العسكري، وتسريع وتيرة تجنيد النشطاء، وأضافت الوثيقة: لم تصل حركة حماس بعد إلى قفزة نوعية كبيرة، لكنها تمضي تدريجيًا في عملية التعافي وإعادة البناء، وحذرت الوثيقة من أن الحرب مع إيران ولبنان تصب في مصلحة حماس وأن عدم تنفيذ عملية نزع سلاح وتفكيك لقدرات حماس، سيعيد الجيش إلى نقطة الصفر، فيما طالب المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ميلادينوف: من القيادة السياسية التي تحكم غزة التنحى جانباً، موضحاً عدم مطالبة حماس أن تختفي كحركة سياسية ويمكنها المشاركة في الانتخابات، وأكد أن المهام الموكلة له الآن في مجلس السلام تتمثل في التخطيط للخطوات المقبلة والانتقال إلى مرحلة التنفيذ ودخول اللجنة الوطنية لإدارة حكم غزة دون أي مظاهر مسلحة لفصائل المقاومة.
في سياق عملية الاغتيال، ادعى الإعلام العبري بأن الشاباك أوفى بِصيداً ثميناً من القادة البديلة الجديدة لكتائب القسام، بتوجيهات من رئيس حكومة الاحتلال المجرم "نتنياهو" ووزير جيش الإحتلال "كاتس"، نفذ سلاح الطيران هجوم في غزة إستهدف "محمد عودة" ــ قائد الجناح العسكري الجديد لحركه حماس وهو آخر قادة تخطيط هجوم السابع من أكتوبر، والذي تسلم قيادة القسام بعد اغتيال "عزالدين حداد" قبل أسبوعين، وعقب اغتيال "عودة" وصلت معلومات جديدة عن اجتماع سري للقسام يضم "عزالدين البيك و عماد اسليم"، حيث اتجهت الأنظار الصهيونية إلى تفعيل ملف الاغتيالات من جديد وتصفية الحسابات مع الشخصيات الداعمة للخلايا النائمة حتى كادت المنظومة الاستخبارية الصهيونية في حالة هوس أمني من الأحداث الميدانية وتوقعات ردات الفعل حول جرائم جيش الاحتلال بحق أهلنا وشعبنا، فتتربص عيون الشاباك والموساد للشخصيات القيادية المُوجِهة لإعادة ترتيب البنية التحتية للمجموعات والخلايا بغزة في محاولة منهم للوصول لحلقة الوصل وتحييد أي حدث متوقع تنفيذه، فيما يسعى العدو تشتيت الأنظار نحو لبنان عبر إعلامه المُضلل فمنذ عِدة أيام والخطاب حول موضوع وقف اطلاق النار وإجراء مفاوضات مع حزب الله إلا أن الخيانة لا تفارق أهلها، كما أن الكبينت المصغر كان يتداعى بالرد مؤخراً وهذا ما تداوله وزراء صهاينة متطرفين، ووصلت المعلومات الاستخبارية بأن حزب الله ما زال يُصمم على بقاءه في المنطقة الحدودية والتفاوض تحت النار على اعتبار أن الحق ينتزع ولا يستجدى به، مطالباً إخلاء المناطق التي سيطر عليها الاحتلال وهي جزء لا يتجزأ من الحق اللبناني، وبالتالي فإن الأنظار الآن تتجه نحو الاغتيالات الصامتة وخاصة بأن جزء من الإعلام العبري تحدث أن نتنياهو يتفرغ لعودة الحرب مع إيران، بينما عيون المخابرات تترصد لقطاع غزة مجدداً مع تصاعد الخروقات بشكل كبير جدًا وارتقاء عشرات الشهداء يومياً، كما ويسعى الاحتلال جاهداً لدس السُم وتهويل الأحداث لتمرير أهدافه ومخططاته، فيما تتجه أنظار الاحتلال سراً نحو إعادة تفعيل ملف الاغتيالات الأمر الذي يبدو فيه إتخاذ قرارات حاسمة في الاستعداد لعملية قتالية جديدة مع غزة فيما يخشى العدو من إعادة ترميم المقاومة والقسام صفوفهم ومحاولة تحييد الأنشطة لتنفيذ مخططه في حدث كبير يهدف لتحقيق صورة الردع المفقودة وفشل جيشه في السيطرة الكاملة على قطاع غزة والكبينت الصهيوني المصغر صوت مؤخراً على مواصلة تنفيذ عمليات الاغتيال، وهنا استخدم العدو تلميحاً لشخصية قيادية عالية المستوى للنيل منها، لكن الاحتلال منظومته الاستخبارية معروف عنهما الغدر والخيانة.