قانون الهيمنة في النظام الدولي والمعرفة المقاوِمة
03 Jun 2026

لم تعد غزة، منذ طوفان الأقصى وما تلاه، مجرد ساحة من ساحات العدوان الإسرائيلي، ولا مجرد مأساة إنسانية كبرى تُضاف إلى سجل طويل من المآسي الفلسطينية. لقد تحولت إلى مرآة كاشفة، لا لكيان استعماري استيطاني وحده، بل للنظام الدولي بأكمله، لقانونه، ومؤسساته، وخطابه الأخلاقي، وتعريفه للإنسان، وحدوده الفعلية حين تصطدم حقوق الإنسان بمصالح القوة. فما جرى ويجري في فلسطين لا يكشف فقط ازدواجية المعايير، على أهمية هذا التوصيف، بل يكشف ما هو أعمق، يكشف أن القانون الدولي، كما يعمل في الواقع لا كما يقدّم نفسه في الكتب والبيانات، ليس دائمًا حدًا على القوة، بل قد يتحول في لحظات كثيرة إلى لغة مهذبة لها، وإلى أداة لتنظيم آثارها، وتأجيل العدالة، وتسمية الجريمة باسم مقبول.

حين يُقصف شعب محاصر، ثم يُطلب منه أن يثبت براءته، وحين تُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ثم يقال إن المسألة معقدة، وحين يتحول التجويع إلى ضغط عسكري، والمستشفى إلى هدف مشتبه فيه، واللاجئ إلى عبء إنساني، والقتيل إلى رقم، فإننا لا نكون أمام إخفاق عابر في تطبيق القانون، بل أمام بنية كاملة تعيد تعريف الكلمات بحسب موقع الأطراف من القوة. فالقاتل، حين يكون حليفًا للغرب، يدافع عن نفسه، والضحية، حين تكون فلسطينية، تتحول إلى خطر. وإذا صارت الضحية خطرًا، صار قتلها إجراءً أمنيًا، وصار الاعتراض على قتلها تطرفًا أو انحيازًا أو تهديدًا للاستقرار. هكذا تعمل اللغة حين تدخل في خدمة الهيمنة، وهكذا يعمل القانون حين ينفصل عن العدل، أو حين يُترك تفسيره لمن يملك القوة وحده.

لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يبقى محصورًا في، لماذا لا يطبقون القانون الدولي؟ فهذا سؤال مشروع، لكنه لا يكفي. السؤال الأعمق هو، من صاغ هذا القانون؟ ومن يملك تفسيره؟ ومن يملك تعطيله؟ ومن يملك حق تسمية العنف دفاعًا، والمقاومة إرهابًا، والحصار ضرورة أمنية، والاستيطان خلافًا عقاريًا، والاحتلال نزاعًا، والهيمنة نظامًا دوليًا؟ هنا يتبدى جوهر المسألة. فالقانون الدولي لم يولد في فراغ بريء بين دول متساوية، بل تشكل جزء كبير منه في قلب المواجهة بين أوروبا والعالم غير الأوروبي، في زمن كانت الإمبراطوريات تحتاج إلى لغة تبرر السيطرة، وتمنح السلب اسم الرسالة الحضارية، والوصاية اسم التمدين، والقهر اسم الإصلاح.

ومع الزمن تغيرت الأسماء، ولم تتغير البنية بالضرورة. الرسالة الحضارية صارت تنمية، والتنمية صارت حوكمة، والحوكمة صارت حقوق إنسان، وحقوق الإنسان صارت أحيانًا ذريعة للتدخل، ثم جاءت الحرب على الإرهاب لتمنح القوة حقًا واسعًا في المراقبة والعقاب والحصار والغزو. ثم جاء خطاب الدفاع عن النفس، فصار في مقدور القوة الكبرى أو حليفها الاستعماري أن يضرب ويقتل ويحاصر، ثم يطالب العالم بفهم مخاوفه الأمنية. وليس المقصود هنا القول إن كل قانون باطل، أو إن كل استعمال للقانون خدعة، فهذا تبسيط لا يفيد. المقصود أن القانون يحمل ذاكرة إمبريالية لا يجوز تجاهلها، ذاكرة تجعل بعض السيادات كاملة ومحفوظة، وتجعل سيادات أخرى منقوصة ومشروطة، وتجعل أمن المستعمر مطلقًا، وأمن المستعمَر موضع شك دائم.

في الحالة الفلسطينية يظهر ذلك بأوضح صوره. فإسرائيل، وهي كيان استعماري استيطاني، تعامل غالبًا بوصفها دولة طبيعية ذات أمن ينبغي أن يُحمى قبل كل شيء، أما الفلسطيني فلا يُمنح موقع صاحب الأمن، بل يُطلب منه أن يثبت أنه لا يهدد أمن محتله. يُطلب من الضحية أن تطمئن الجلاد، ومن المحاصر أن يراعي حساسية من يحاصره، ومن صاحب الأرض أن يبرر تمسكه بأرضه. هنا لا يكون القانون غائبًا بالضرورة، بل حاضرًا أحيانًا حضورًا كثيفًا، عبر القرارات والاتفاقات والمحاكم وأطر التفاوض والتصاريح والتصنيفات والمناطق والمعابر، لكنه حضور لا ينهي الاستعمار، بل قد يساعد على إدارته، ويمنحه لغة قابلة للتداول، ويجعل الاحتلال أقل كلفة على المحتل، بينما ينتظر الفلسطيني وعدًا مؤجلًا لا يأتي.

ولهذا لا يجوز اختزال فلسطين في نزاع بين طرفين، ولا في خلاف حدود، ولا في دورة عنف تبدأ من لحظة يختارها مراسل غربي أو مسؤول أميركي أو ناطق عسكري إسرائيلي. فلسطين، في جذرها الحديث، قضية استعمار استيطاني. وهذا التوصيف ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لأنه يعيد للجريمة اسمها. فالاستعمار الاستيطاني لا يريد حكم السكان فقط، بل يريد الأرض نفسها، يريد أن يحل مجتمع محل مجتمع، وسردية محل سردية، وأسماء محل أسماء، وسيادة محل سيادة. يريد أن يصير المستوطن أصلًا، وأن يصير صاحب الأرض طارئًا، وأن تتحول عودة اللاجئ إلى تهديد ديموغرافي، والمستوطنة إلى مدينة، والاحتلال إلى دولة طبيعية، والفلسطيني إلى مشكلة أمنية أو إنسانية.

من هنا كان الاستيطان قلب المسألة، لا تفصيلًا فيها. المستوطنة ليست بيوتًا فقط، بل إعلان سياسي يقول لصاحب الأرض، لن تعود. والطريق الاستيطاني ليس إسفلتًا فقط، بل قطع في الجسد الجغرافي الفلسطيني. والجدار ليس إسمنتًا فقط، بل فلسفة فصل وإدارة وإخضاع. لذلك تفشل كثير من لغة السلام لأنها تبدأ من منتصف الطريق، تتكلم عن التهدئة ولا تسأل عن الاستعمار، تتكلم عن الطرفين ولا تسأل من صاحب الأرض ومن المستوطن، تتكلم عن العنف ولا تسأل عن العنف المؤسس الذي طرد الناس وصادر الأرض وبنى الدولة على أنقاض القرى، ثم طلب من الضحية أن تكون عاقلة وهادئة.

وفي غزة تحديدًا تظهر براعة الهيمنة في نقل النقاش من أصل الجريمة إلى تقنيات إدارتها. حين تقدم غزة بوصفها أرضًا محاصرة ومتحكمًا بها، يكون السؤال، ما مسؤولية القوة التي تحاصر وتسيطر وتمنع وتقصف؟ أما حين تقدم بوصفها ساحة حرب بين طرفين، يتحول السؤال إلى، هل يحق لإسرائيل أن تدافع عن نفسها؟ ما حدود التناسب؟ هل وُجه إنذار قبل القصف؟ ما الأهداف العسكرية؟ وما الخسائر الجانبية؟ هكذا ينتقل النقاش من الاحتلال إلى رد الفعل، ومن الحصار إلى الصاروخ، ومن حق الشعب إلى أمن المحتل. وهذه النقلة ليست بريئة، بل هي جزء من قانون الهيمنة، أن يختار المتهم المحكمة، واللغة، وبداية الحكاية، والاسم الذي توصف به جريمته.

ولا تقف المسألة عند فلسطين وحدها، وإن كانت فلسطين هي مركز الانكشاف الأشد. فالنظام الدولي يتعامل مع السيادات على نحو متفاوت، بحسب موقعها من شبكة الهيمنة. هناك دول يحق لها أن تمتلك القوة، وأن تمد أمنها خارج حدودها، وأن تُفهم حروبها بوصفها وقاية واستباقًا. وهناك دول وقوى توضع سيادتها دائمًا تحت الشك، فإذا امتلكت بعض أسباب القوة قيل إنها تهدد الأمن الإقليمي والدولي. ومن هنا تُفهم حساسية النظام تجاه كل قوة تساند فلسطين أو ترفض الخضوع لمنطق الهيمنة. ليست المشكلة، في ميزان هذا النظام، عدد الضحايا، ولا طبيعة المشروع السياسي، ولا معيار القانون والأخلاق، بل موقع الطرف من بنية السيطرة.

لذلك، حين يقال إن المقاومة تهدد الاستقرار، ينبغي أن يُسأل فورًا، أي استقرار هذا؟ هل هو استقرار الشعوب أم استقرار الاحتلال؟ هل هو استقرار الحق أم استقرار النظام الذي يريد أن تبقى فلسطين ملف مساعدات لا مشروع تحرير؟ إن النظام الدولي لا يرفض العنف دائمًا، ولو كان يرفضه لرفض أولًا عنف الاحتلال. ولا يقدس الحياة دائمًا، ولو كان يقدسها لما سكت عن قتل الأطفال. مشكلته الحقيقية أنه يريد احتكار تعريف العنف المشروع، فيجعل عنف الدولة الحليفة أمنًا، وعنف المستعمر دفاعًا، وعنف الحصار ضرورة، ثم يجعل قوة المقاوم جريمة وخطرًا.

أمام هذا كله، لا يكفي أن يقال إن الغرب منافق. هذا صحيح، لكنه لا يكفي، لأن الاكتفاء بفضح النفاق يبقينا أحيانًا أسرى معيار المنافق نفسه، كأن المطلوب فقط أن يكون وفيًا لمبادئه. المطلوب أعمق من ذلك، أن نكشف البنية التي تجعل هذا النفاق ممكنًا ومقبولًا ومتكررًا ومحصنًا بالمؤسسات واللغة والقوة. هنا تبدأ المعرفة المقاوِمة، لا بوصفها رفضًا انفعاليًا للقانون، ولا عبادة له، بل بوصفها قدرة على وضع القانون في موضعه، أداة من الأدوات، لا إلهًا ولا عدمًا. نستخدمه حين يخدم الحق، ونكشفه حين يخدم الهيمنة، ولا نسمح له أن يكون بديلًا عن القوة العادلة، ولا عن العمل السياسي، ولا عن التنظيم، ولا عن الحشد، ولا عن الوعي الأخلاقي.

المعرفة المقاوِمة تعني أن نفكك المفاهيم كلما سمعنا كلمات كبرى في الخطاب الدولي. حين نسمع الأمن، نسأل أمن من؟ وحين نسمع السيادة، نسأل لمن تُمنح ولمن تُعلّق؟ وحين نسمع الإرهاب، نسأل من يعرّفه؟ وحين نسمع المجتمع الدولي، نسأل من يتكلم باسمه؟ وحين نسمع الدفاع عن النفس، نسأل نفس من، وعلى أرض من، وضد من؟ وتعني أيضًا استعادة المعنى، لأن الهيمنة لا تقتل بالسلاح وحده، بل تقتل المعنى، حين تحول الفلسطيني إلى رقم، والأرض إلى عقار، والمخيم إلى مشكلة، واللاجئ إلى عبء، والمقاومة إلى اضطراب، والعودة إلى خطر. لذلك يجب أن يقال بوضوح، الفلسطيني ليس رقمًا، والأرض ليست عقارًا، والقدس ليست ملفًا، وغزة ليست أزمة مساعدات، واللاجئ ليس فائضًا بشريًا، والمقاومة ليست خللًا في النظام، بل علامة على أن الحق لم يمت.

إننا لا نحتاج إلى معرفة تجعلنا أكثر براعة في ترديد لغة النظام، بل إلى معرفة تجعلنا أقدر على كشفه، ومقاومته، واستخدام أدواته دون أن يستخدمنا، ومخاطبة العالم دون أن نفقد لغتنا الأخلاقية والسياسية. فلا قانون بلا عدل، ولا قوة بلا أخلاق، ولا معرفة بلا أمانة، ولا مقاومة بلا وعي بذاتها وبعدوها وبالعالم. وحين نقول إننا انتقلنا من هيمنة القانون إلى قانون الهيمنة، فإننا لا نعلن موت القانون، ولا ندعو إلى الجهل به، بل نقول إن أول شروط التعامل مع العالم أن نراه كما هو، لا كما يصف نفسه.

وفلسطين، في هذا كله، ليست ملفًا داخل النظام الدولي، بل المرآة التي تكشفه. من أراد أن يعرف معنى القانون حين يواجه القوة، فلينظر إلى غزة. ومن أراد أن يعرف معنى السيادة حين توزع بميزان الهيمنة، فلينظر إلى فلسطين. ومن أراد أن يعرف معنى الإنسان حين يفقد العالم أخلاقه، فلينظر إلى الطفل الفلسطيني الذي يُقتل، ثم يُسأل أهله عن إدانة المقاومة. من هنا تبدأ المعرفة المقاوِمة، لا من كراهية العالم، بل من رفض الكذب عليه، لا من رفض القانون، بل من رفض تحويله إلى عصا في يد المستكبر، لا من عبادة القوة، بل من بناء قوة تحمل حقًا، لا من انفعال عابر، بل من وعي طويل يعرف أصل الحكاية، وصاحب الأرض، والطارئ عليها.


المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026
director
المقال السياسي
بين النكبة وحرب الإبادة تكرار للعدوان واستمرار لنهج الاحلال الممنهج
15 May 2026
director
المقال السياسي
"فلسطــين" ما بين (نكـبـة48 و طـوفــان23)
15 May 2026
director
المقال السياسي
من أوسلو إلى المليشيا الوظيفية، كيف أُعيد تعريف العدو في الوعي الفلسطيني؟
14 May 2026
director
المقال السياسي
حدود القوة المطلقة: قراءة في سيكولوجية التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي وعقلنة الانسحاب
13 May 2026
director
المقال السياسي
بين الاتفاق والانتهاك... غزة رهينة المماطلة
09 May 2026