خلال المتابعة للأحداث الجارية والمستجدات الميدانية في قطاع غزة، استأنفت جولات المفاوضات مع الوسطاء مجدداً حول مصير حالة شعب غزة بعد ثلاث سنوات من العدوان المستمر وحرب الإبادة وصراع الموت الذي يواجه شعب غزة في كل لحظة حتى كاد حال عِداد الشهداء بمقدار كل ساعتين هناك إرتقاء شهيد في قطاع غزة وشلال الدم لم يتوقف وقد يكون العدد متفاوت يومياً سواء للأكثر أو الأقل قليلاً وفي أحداث مشتركة أم متفرقة، ولعل من أبرز ما ينتظره شعب غزة المكلوم هو الانتقال الفعلي من اللقاءات الثنائية إلى الواقع الملموس، وتنفيذ مراحل إتفاق شرم الشيخ لوقف العدوان وإنسحاب الاحتلال وإدخال المساعدات وآليات الإعمار والبدء في نهضة جديدة بعد الدمار للبنى التحتية، يبدو أن غزة التي كانت تمثل العمق الاستراتيجي في القضية الفلسطينية ومركز القرار في التصدي للمؤامرات الصهيونية، صارت كرة ملاعب عواصم التفاوض لتحديد مصيرها وتدوير أزماتها من القاهرة حتى الدوحة ومن أنقرة إلى الرياض وفق المحور السُني في الشرق الأوسط، وسط تعنت صهيوني جلي وواضح وصمت أوروبي وأممي وعربي وعجمي وشرقي وغربي عن المجازر والمذابح الصهيونية بحق الفلسطينيين والغزيين خصيصاً في بقعة لا تكاد تمثل نقطة على الساحل الشرقي للمتوسط لكنها ما زالت محل إزعاج في الوسط الشعبي والرسمي للعالم الحُر لتقرير المصير ومحاولات الإنقاذ وطنياً ومحلياً وعربياً ودولياً لشعب غزة الثابت والصابر رغم التضحيات والجراح وسيل الشهداء ونزيف الدماء ومعاناة ذوي الشهداء والجرحى والأسرى والمفقودين، إلا أن هناك أفق تفاوض لإدارة غزة بعد الحرب دون فصائل المقاومة الفلسطينية وبمقدمتهم حماس والجهاد، وهنا نلخص بعض ما يدور في نهج الإدارة الأميركية والمشروع الصهيوني للكيد بشعب غزة على أساس البقاء في واحة الحرب والحصار أو الهجرة للخارج والعيش بهناء وسلام، كما أن نسبة الرضا المجتمعي عن المستقبل المجهول والواقع المأمول لغزة من تحديد السند لدعم وإنقاذ أهلها من محن الواقع المؤلم وشلال الدم النازف بعشرات الشهداء يومياً، حيث دار في عُرف السياسة الدبلوماسية الخطط البديلة للاتفاقات الدولية المُبرمة مع جهات دولية ورسمية، وهنا في مباراة غزة تم اختيار شخصيات دولية وفلسطينية لإدارة غزة بعد فشل ميلادينوف ومن قبله بلير يبدو وقع الخيار مؤخراً على دحلان الشخصية الغزاوية والعقلية البراغماتية لفهم طبيعة حال سيكولوجية الشعب واحتياجاته ومطالبه وأفق انخراط الواقع والمستقبل وفق مخططات مجلس السلام الرأسمالي والبنود العشرين وقرار مجلس الأمن رقم2803، ومن الواضح أن فصائل المقاومة الفلسطينية وحماس ومنظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال وأمريكا متوافقين بشكل متفاوت على شخصية دحلان لإدارة قطاع غزة بعد الحرب.
ينبع مجدداً عدم إحراز تقدم في خطة ترامب من صعوبات إضفاء الطابع المؤسسي على "مجلس السلام"، الذي يعاني من مشاكل تشغيلية ونقص في التمويل في ظل تكلفة إعادة الإعمار، كما أن بناء قوة الاستقرار الدولية لم يكتمل بعد، ولم يتم إنشاء النظام العام نيابة عن اللجنة التكنوقراطية، فعلى الرغم من تحويل الأنظار إلى الحملة ضد إيران، تواصل إدارة ترامب إظهار التزامها المبدئي بتعزيز خطة النقاط العشرين (قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803) كإطار سياسي منظم لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، ويجري مبعوثو الإدارة محادثات مع حماس، خاصة على مسألة نزع السلاح، وتتمحور المفاوضات حول مبادئ خطة من خمس مراحل صاغها رئيس اللجنة التنفيذية لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، وقُدّمت إلى حماس وشملت:
- 1. نشر القوات ونقل المسؤولية المدنية والأمنية إلى اللجنة المدنية (المجلس الوطني لحكومة غزة) ودخولها، برفقة قوات الشرطة الفلسطينية، إلى قطاع غزة، بالتزامن مع نشر قوة الاستقرار الدولية.
- 2. مراحل نزع السلاح: أولاً، الأسلحة الثقيلة (الصواريخ والعبوات الناسفة) وتحييد الأنفاق وورش إنتاج وتجميع عن الأسلحة؛ وسيتم تناول الأسلحة الشخصية في مرحلة لاحقة.
- 3. التناسب بين وتيرة نزع السلاح ووتيرة انسحاب الاحتلال.
- 4. خطوات محددة للتحقق من نزع السلاح من خلال قوة الاستقرار الدولية، إنشاء لجنة أمنية لتسجيل وجمع الأسلحة الصغيرة والشخصية.
- 5. مسارات العفو – إعادة دمج المقاتلين/المقاومين السابقين في الحياة المدنية.
بينما تنص بنود أخرى في الخطة، من بينها، أنه لن يُسمح بدخول مواد إعادة الإعمار إلى قطاع غزة، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، إلا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الوطني لحكومة غزة والتي تم التحقق من نزع سلاحها، في المقابل تهدف حكومة الاحتلال إلى منع حماس والمقاومة من اكتساب المزيد من القوة، إلا أنها محدودة النطاق بينما يحافظ جيش الاحتلال على حرية العمل في المنطقة الأمنية الخاضعة لسيطرته بل ووسع نطاق سيطرته قليلاً خارج الخط الأصفر (إلى المنطقة المعروفة بالخط البرتقالي)، فإنه لا يتحرك إلا بشكل محدود لإلحاق الضرر بالبنية التحتية لحماس في عمق الأراضي التي تسيطر عليها، والنتيجة هي تقسيم فعلي لقطاع غزة يسمح لحماس بالسيطرة على السكان وجزء من القطاع، وفي هذا السياق، يستمر واقع إنساني وبنيوي صعب في القطاع، يُشكل عبئاً على أي حل حكومي حتى وإن لم يصل إلى مستوى الكارثة الإنسانية.
ففي التاريخ السياسي، تبرز ظاهرة “المُنقذ” فجأة عندما تصل إلى حالة صعبة من الإرهاق واليأس، عندها يصبح الناس أقل اهتماماً بالسؤال: “من نريد؟” وأكثر اهتماماً بالسؤال: “من يستطيع أن يوقف هذا العدوان؟”، التدمير الواسع للمجتمع والبنية التحتية والمؤسسات المدنية لا يمثل مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل يساهم في خلق واقع جديد تصبح فيه غزة مجتمع منهك ومفكك وعاجز عن إدارة نفسه ليتم إفراغ غزة كاملة بشتى الوسائل! لذا تدمير المؤسسات المدنية لا يخلق فقط أزمة إنسانية، بل يخلق أيضاً أزمة قيادة، وعندما تختفي المؤسسات يصبح الطريق ممهداً أمام البحث عن قيادة جديدة للحُكم بدلاً من الأنظمة البيروقراطية، وعن شخصيات بدلاً من الشرعيات، عندها يتحول النقاش من “كيف تُبنى غزة؟” إلى “من سيحكم غزة؟”
وهنا تكمن المفارقة؛ فكلما إزداد إنهيار المجتمع، ازدادت فرص ظهور المُنقذ “رجل الضرورة”، وكلما ضعفت البنى السياسية والاجتماعية التقليدية، أصبح من الأسهل تقديم أي شخصية مرغوبة أو مدعومة إقليمياً أو دولياً" على أنها الحل الوحيد الممكن أو المتفق عليه ضمن مراحل التفاوض.
في هذا السياق عاد دحلان إلى الواجهة، ليس لأن الغزيين أجمعوا عليه، ولا لأنه فاز بانتخابات، بل لأن الفراغ السياسي الهائل يفتح الباب أمام البحث عن شخصية فلسطينية ذو عقلية درغماتية وخبرة أمنية تمتلك علاقات إقليمية ودولية واسعة وقدرة حازمة على التعامل مع القوى الفاعلة في قطاع غزة، هذا لا يعني أن دحلان هو بالضرورة جزء من خطة غربية مسبقة، ولا يعني أن عودته مؤكدة أو مستحيلة، لكنه يعني أن بيئة الانهيار والتفكك وحالة الفراغ السياسي بغزة هي البيئة المثالية التي تُصنع فيها شخصيات “المُنقذ”، لذلك التاريخ السياسي يُعلمنا أن الشعوب المنهكة تبحث عن الاستقرار قبل أي شيء آخر، لكن المصلحة الواقعية تُعلمنا أيضاً أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الأشخاص وحدهم، بل على الشرعية والمؤسسات والقبول الشعبي والرضا المجتمعي.
ففي النهاية، لا يُقاس نجاح أي “منقذ” بعدد المؤيدين له في العواصم الإقليمية والدولية، بل بمدى قبول الناس له وقدرته على العمل ضمن مؤسسات شرعية تمثل إرادتهم، فالدعم الخارجي قد يفتح الأبواب أمام أي قيادة، لكنه لا يمنحها الشرعية ولا يضمن لها الاستمرار، أما القيادة التي تستند إلى التفويض الشعبي والمؤسسات القادرة على المساءلة والحكم الرشيد، فهي وحدها التي تستطيع تحويل الاستقرار المُؤقت إلى مُستقبل مُستدام، ولهذا يبقى الرهان الحقيقي على بناء الشرعية والمؤسسات، لا على انتظار ظهور “منقذ” جديد، فغزة بكل مكوناتها وألوانها ترفض عودة "الإدارة المدنية" لكنها تسعى لإنقاذها عبر مخرج سياسي وطني فلسطيني، يتضمن عيش كريم وسلام مؤقت وفتح مسار لمستقبل أفضل وواقع أيسر من العدوان والاحتلال.
الجدير ذكره؛ خلال زيارة الرئيس الجديد للشاباك الصهيوني "ديفيد زيني" إلى الإمارات، التقى بدحلان، والذي كان أحد قادة حركة فتح في قطاع غزة ورئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني أنذاك، وقد ذُكِرَ اسم دحلان، كأحد المرشحين المحتملين لإدارة شؤون قطاع غزة "في اليوم التالي"، ووفقًا للتقارير، كان الهدف من الاجتماع بحث إمكانية إدراجه في سيناريوهات مستقبل القطاع بعدالحرب.