يمكننا قراءة التحذير الأخير الصادر بتاريخ 4 آب 2025 عن المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، بشأن "الأوراق النقدية القديمة من الشيكل – الطبعة ب" من زاوية واحدة: إنها ليست تحذيراً مالياً، بل ضغطاً اقتصادياً.
فمنذ بدء الحرب على قطاع غزة، لم يدخر الاحتلال جهداً في التضييق على السكان وزيادة الأعباء المعيشية. وقد اتخذ ذلك أشكالاً متعددة: من تصريحات سابقة عن نية إلغاء فئة 200 شيكل، إلى فرض قيود مشددة على إدخال السيولة النقدية للقطاع، وصولاً إلى التشكيك المتكرر في صلاحية الأوراق المهترئة واستمرار التعامل بها.
*كيف تتحول الشائعة إلى سلاح؟*
في اقتصاد يعاني أصلاً من شح خانق في السيولة، فإن مجرد إثارة الشك حول جزء من النقد المتداول كافٍ لإحداث ضرر بالغ، حتى دون صدور قرار رسمي بإلغائه.
العملة لا تستمد قوتها من قيمتها الاسمية فقط، بل من ثقة الناس بها وقبولهم التعامل بها. وإذا نجح الخوف في دفع مواطن أو تاجر إلى رفض ورقة نقدية، فهي تبدأ فعلياً بفقدان قوتها الشرائية قبل أن تُلغى رسمياً.
هنا تكمن الخطورة: تحويل "تحذير" إلى "أزمة سيولة" بأيدينا.
*هل يمكن سحب العملة بين ليلة وضحاها؟*
الجواب: لا. وبنك إسرائيل نفسه أوضح في بيانات سابقة أن قرارات إلغاء أو استبدال أو إصدار الفئات النقدية هي من اختصاص السلطة النقدية، وهي "بنك إسرائيل"، وليست قراراً عسكرياً.
كما أن اتفاق باريس الاقتصادي لعام 1994 يلزم الجانب الإسرائيلي بتوفير السيولة للمناطق الفلسطينية وعدم عرقلة التداول.
ولسحب أي طبعة نقدية نحتاج عملياً إلى 5 شروط، غير متوفرة حالياً في غزة:
1. *إعلان رسمي* من بنك إسرائيل بجدول زمني واضح للسحب.
2. *فترة سماح كافية* لا تقل عن 6 شهور لاستبدال الأوراق.
3. *آلية استبدال* في كل المناطق المتداول فيها الشيكل، وليس في الضفة فقط.
4. *شبكة مصرفية عاملة* تستقبل القديم وتسلم الجديد، وهذه الشبكة في غزة شبه معطلة منذ بداية الحرب.
5. *توفير سيولة بديلة*، والقطاع يعاني أصلاً نقصاً حاداً في النقد المتداول.
غياب أي شرط من هذه يعني أن الحديث عن "إلغاء فوري" هو قول غير قابل للتطبيق.
*ما المطلوب الآن؟ لا تكن شريكاً في الأزمة*
الأثر الأقرب لهذا التحذير ليس اختفاء الطبعة "ب"، بل دفع السوق في غزة لرفض جزء من السيولة الموجودة أصلاً. وهذا سيخلق: خسائر للمواطن، ارتفاع العمولات، فتح باب المضاربة، وتعميق أزمة الثقة.
لذلك نوجه النداء التالي:
1. *للمواطن*: لا تتسرع في رفض الورقة أو بيعها بأقل من قيمتها. الشيكل ما زال عملة قانونية.
2. *للتجار وأصحاب الصرافة*: المطلوب موقف موحد برفض الشائعة وعدم المشاركة في تخفيض قيمة أي ورقة متداولة قانوناً.
3. *لسلطة النقد الفلسطينية*: نطالب ببيان رسمي عاجل يطمئن الجمهور ويوضح موقفها من التداول، ويضغط لإدخال السيولة.
4. *للمؤسسات المجتمعية*: دوركم في التوعية لكسر حالة الهلع أهم من أي وقت.
*الخلاصة*
المعركة هنا ليست على ورقة نقدية قديمة، بل على الثقة بالنقد. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نحول التحذير إلى واقع اقتصادي بأيدينا.
حين يخشى المواطن من الورقة التي في جيبه، أو يرفضها التاجر، تكون المهمة قد أنجزت للاحتلال دون أن يطلق رصاصة واحدة.
فلنقطع الطريق على ذلك.