بعد كل حرب كبرى، لا تنتهي المأساة عند حدود الدمار المادي أو الخسائر البشرية، بل تبدأ مرحلة أصعب: إعادة تشكيل الاقتصاد تحت ضغط البقاء. وفي حالة قطاع غزة، يتجسد هذا الواقع فيما يمكن تسميته بـ “اقتصاد القشور”، اقتصاد هش يفتقر إلى العمق الإنتاجي ويعيش على التداول والاستهلاك لا على التصنيع والتنمية.
الحروب لا تدمر المباني فقط، بل تدمر القلب الاقتصادي. المصانع، الورش، المزارع، شبكات الطاقة والمياه، الموانئ والمعابر — كلها عناصر أساسية لأي اقتصاد حقيقي. وعندما تُمحى هذه البنية، يفقد المجتمع قدرته على إنتاج السلع وتوليد الدخل المستدام. في غزة، أدت سنوات الحصار المتراكمة ثم الحرب إلى شبه انهيار للقطاعات الإنتاجية، خصوصًا الصناعة والزراعة، ومع غياب الإنتاج، يتحول الاقتصاد إلى مجرد سوق لتوزيع السلع، غالبًا المستوردة أو القادمة عبر المساعدات.
في الاقتصاد الطبيعي، تقوم الدورة الاقتصادية على الإنتاج والدخل والاستهلاك والاستثمار والنمو، أما في اقتصاد القشور فتتشوه الدورة، فتتحول المساعدات والتحويلات إلى مصدر مؤقت للطلب، ويصبح السوق حيًا ظاهريًا بلا قدرة على خلق ثروة جديدة. ينتشر في هذه الظروف البسطات والأسواق الشعبية، وتجارة المواد الأساسية، وإعادة بيع المساعدات، وأعمال يومية مؤقتة، وخدمات منخفضة القيمة. وهذا النشاط قد يعطي انطباعًا بالحركة الاقتصادية، لكنه في الواقع اقتصاد هش يعيش على هامش البقاء.
تلعب المساعدات الإنسانية دورًا حيويًا في إنقاذ الأرواح، لكنها اقتصاديًا تتحول إلى “محرك مؤقت” للسوق، إذ تنشط التجارة لفترة قصيرة ثم تعود حالة الركود بمجرد توقف التدفق، ما يجعل الاقتصاد يبدو حيًا لكنه في الواقع يعتمد على أجهزة الإنعاش.
اقتصاد القشور لا يولد وظائف مستقرة، بل يخلق ما يمكن وصفه بـ “العمل الهش”: دخل يومي غير مضمون، غياب الحماية الاجتماعية، انعدام الادخار، واعتماد شبه كامل على المعونات. وهذا الوضع لا يقتصر على الفئات الفقيرة فقط، بل يمتد ليشمل الطبقة الوسطى التي تتآكل تدريجيًا.
المجتمعات لا تستطيع العيش طويلًا دون قاعدة إنتاجية، لذلك فإن اقتصاد القشور يؤدي إلى تبعية دائمة للخارج، ضعف القدرة على التعافي الذاتي، هشاشة أمام أي صدمة جديدة، تفكك اجتماعي، ارتفاع معدلات الهجرة، وتراجع الاستثمار في التعليم والمهارات. ببساطة، يتحول المجتمع من التفكير في المستقبل إلى إدارة الأزمات اليومية.
الخروج من هذا الوضع لا يتحقق عبر المساعدات وحدها، بل عبر إعادة بناء الاقتصاد من جذوره، وذلك بإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية، وإحياء الزراعة والصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار، وفتح قنوات التجارة الخارجية، وتنفيذ برامج تشغيل واسعة النطاق، ودعم رأس المال البشري والتعليم المهني. بدون هذه العناصر، سيبقى الاقتصاد يدور في حلقة مغلقة من الفقر والتبعية.
اقتصاد القشور ليس مجرد توصيف اقتصادي، بل حالة وجودية لمجتمع يعيش على الحد الأدنى من الحياة. في غزة، لا تكمن المشكلة في نقص النشاط التجاري الظاهري، بل في غياب الأساس الذي يحول هذا النشاط إلى تنمية حقيقية. السؤال لم يعد: هل توجد أسواق؟ بل: هل يوجد اقتصاد قادر على الاستمرار دون أجهزة الإنعاش؟ إعادة بناء غزة اقتصاديًا لا تعني فقط إزالة الركام، بل استعادة القدرة على الإنتاج، أي الانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الحياة.