في أعماق الدهاليز السياسية حيث تتقاطع المصالح الكبرى وتتشكل التحالفات الخفية شهد العالم في يناير 2026 خلال مؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي ولادة كيان دولي جديد يحمل اسم مجلس السلام العالمي لكنه في جوهره يعكس استراتيجية أمريكية إسرائيلية مشتركة مصممة لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط تحت ستار السلام هذا المجلس الذي يضم الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جانب باكستان وتركيا والسعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات ليس سوى امتداد للرؤية الترامبية التي تسعى في ولايته الثانية إلى ترسيخ الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي الجديد وإذا أردنا الصدق مع التاريخ فمن الأجدى تسميته مجلس ترامب للسلام الأمريكي إذ يمسك ترامب شخصياً بزمام القرار فيه مما يجعله أداة قابلة للتبني من قبل دول عربية وإسلامية مؤثرة لكنها في النهاية تخدم أجندة تسوية الصراع بالشروط الأمريكية الإسرائيلية في ظل منافسة شرسة على قيادة العالم.
يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذلك السياسي الذي يجسد روح الرأسمالية الواضح أن ثلاث سنوات فقط تفصله عن نهاية ولايته الثانية وأن شعاره جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى لن يتحقق إلا باستعادة السيطرة المنفردة على النظام الدولي بعيداً عن المنافسين مثل الصين وروسيا وفي هذا السياق يلتقي طموحه مع أحلام بنيامين نتنياهو صديقه القديم الذي يرى في استئصال حركات المقاومة في الشرق الأوسط ضماناً لمستقبل إسرائيل الكبرى هكذا يندمج الاثنان في رؤية استراتيجية موحدة تدمج التحولات الجيوسياسية في المنطقة مع المنافسات العالمية محورها إسقاط النظام الإيراني كعقبة رئيسية أمام هذه الأحلام إسقاط إيران ليس مجرد هدف عسكري بل هو مفتاح لإعادة تشكيل التوازنات يفتح أبواب السيطرة على ثروات النفط والغاز في الخليج ويحرم روسيا والصين من حليفهما الرئيسي مما يعيد إحياء مشاريع مثل الممر الهندي وقناة بن غوريون للسيطرة على طرق الإمداد العالمية وكبح التمدد الصيني.
لكن وراء هذه الرؤى الاستراتيجية تكمن مأساة إنسانية هائلة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني خاصة أهل غزة الذين تحولت أرضهم إلى مسرح للدمار المنهجي في غزة التي أصبحت رمزاً للصمود أمام الظلم التاريخي بلغت الخسائر البشرية منذ 7 أكتوبر 2023 أكثر من 71667 شهيداً و171343 جريحاً وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية ومنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 قتل 492 فلسطينياً جرح 1356 آخرون وانتشلت 715 جثة من تحت الأنقاض فيما يستمر الدمار في إعادة إنتاج المعاناة اليومية الشتاء القارس يفاقم الكارثة إذ توفي 11 طفلاً على الأقل جراء انخفاض درجة الحرارة بينما يعيش 800000 شخص في مناطق عرضة للفيضانات في ملاجئ مؤقتة غير معزولة مع نقص حاد في المياه والصرف الصحي مما يزيد من انتشار الأمراض التنفسية الحادة.
البطالة تفوق ٪80 ويأكل واحد من كل خمس أسر وجبة واحدة يومياً رغم تحسن طفيف في توافر الغذاء إلا أن التنوع الغذائي لا يزال دون مستويات ما قبل الصراع هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات بل هي صرخات من شعب يواجه إبادة ممنهجة حيث دمرت إسرائيل 40 من 60 مقبرة في غزة وأخرجت الجثث من قبورها في انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية أكثر من مليون فلسطيني بحاجة ماسة إلى مساعدات الإيواء الطارئ وسط فيضانات تجرف الخيام المؤقتة وأمطار غزيرة تحول المخيمات إلى مستنقعات مع نقص في الوقود والأدوية مما يهدد حياة آلاف الأطفال والمسنين في الضفة الغربية قتل 240 فلسطينياً في 2025 بما في ذلك 55 طفلاً وهدمت 50 هيكلاً نزح 53 شخصاً وأثر على أكثر من 14000 آخرين
هذه المعاناة ليست صدفة بل جزء من خطة إسرائيلية لتحويل غزة إلى ريفيرا شرق أوسطية بعد استئصال المقاومة وضم أجزاء واسعة من الضفة مع توسيع الإدماج الإسرائيلي في المنطقة تحت مظلة هذا المجلس الجديد إسقاط النظام الإيراني يحقق أحلام إسرائيل بالسيطرة على حدود سوريا ولبنان وأحلام أمريكا بالهيمنة على الطاقة العالمية.