من التطبيع إلى الشراكة: المسارات المختلة التي أوصلت الاحتلال إلى "مجلس السلام"
28 Jan 2026

لم يكن القرار الأمريكي بإشراك دولة الاحتلال كعضو في ما يُسمّى "مجلس السلام" نتاج الازدواجية الأمريكية وحدها، ولا مجرد امتداد آني لانحياز غربي قديم رافق المشروع الصهيوني منذ تأسيسه، بل جاء بوصفه حصيلة مسار تراكمي طويل لعوامل متشابكة وسياسات متداخلة، أوصلت المنطقة إلى هذه اللحظة المختلة في ميزانها الأخلاقي والسياسي.

في مقدمة هذه العوامل يقف الموقف العربي الهزيل، الذي لم يكتف بإدانة حق الفلسطيني في الدفاع عن نفسه ومحاولته كسر الحصار، بل خشي في كثير من الأحيان الوقوف بصلابة في وجه وحشية الاحتلال. عجزٌ بلغ حد الفضيحة حين لم تستطع الأنظمة العربية كسر حصار أودى بحياة أطفال أُجبروا على أكل الحشائش، وقضى بعضهم جوعاً، فيما دُفن آلاف آخرون تحت الأنقاض في واحدة من أبشع صور التجويع والإبادة في العصر الحديث.

ثم جاء الصمت العربي المريب في محطات مفصلية، حين جرى تفضيل عشرات الأسرى الصهاينة على آلاف الأسرى الفلسطينيين، وحين أُحيطت جثث الاحتلال بهالة من "القداسة الإنسانية". مقابل إنكار شبه كامل لعشرات آلاف الجثث الفلسطينية التي ما زال كثير منها تحت الركام. مشهد اختل فيه الميزان الإنساني اختلالاً فادحاً، وكأن دم الفلسطيني أصبح أقل استحقاقاً للاعتراف والعدالة.

ويُضاف إلى ذلك تحوّل جوهري في الخطاب السياسي العربي، حيث جرى تسويق التطبيع باعتباره ثمن لوقف الحرب، وتحويل إسرائيل من كيان احتلال وتهديد وجودي إلى "شريك" في الاستقرار والمصالح.

ومع تبنّي مبدأ "المصالح المشتركة" مع الاحتلال، يصبح توجيه اللوم للولايات المتحدة على انحيازها لمصالح إسرائيل ضرباً من السذاجة السياسية، إذ لا تفعل واشنطن سوى حماية شبكة المصالح ذاتها التي قبلت بها عواصم عربية طوعاً.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن عجز النظام الدولي نفسه. فمجلس الأمن بتركيبته المختلة وهيمنة الدول الخمس الدائمة العضوية، أثبت مرة أخرى عجزه الكامل عن تطبيق قراراته أو إنفاذ القانون الدولي. هذا الضعف وفر الغطاء السياسي والقانوني لنجاة نتنياهو من توصيف "مجرم حرب" رغم أن الجرائم المرتكبة ارتقت بوضوح إلى مستوى الإبادة الجماعية وفق التعريفات القانونية الدولية.

 

أما على المستوى الفلسطيني، فلا يمكن إنكار أثر الانقسام الداخلي، الذي حال دون تشكل جبهة وطنية موحدة في مواجهة الإبادة. انقسام وصل حد أن يدين بعض الفلسطينيين حقهم في المقاومة أكثر مما يدينون احتلالاً مارس القتل والاقتلاع لعشرات السنين، ما أسهم في إضعاف الرواية الفلسطينية، وسهّل تبرير العرب لتخاذلهم وتمرير القرارات الجائرة دولياً.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
بين النقد والجلد الذاتي: مسؤولية الإعلام والمحلل والسياسي في زمن الأزمات
12 Jul 2026
director
المقال السياسي
بعد الطوفان… هل نحتاج إلى انتخابات أم إلى إعادة اكتشاف المشروع الوطني؟
11 Jul 2026
director
المقال السياسي
هل مصير الأسرى الفلسطينيين وأطباء غــزة؛ (الإعدام البطيئ أم الحرية)!!
07 Jul 2026
director
المقال السياسي
ما بعد الألف يوم: قراءة في المأزق الاستراتيجي وسيناريوهات الحسم
04 Jul 2026
director
المقال السياسي
الدبلوماسية القرآنية… عندما تقول الآية ما لا تقوله البيانات
04 Jul 2026
director
المقال السياسي
بين قوانين المجتمع الدولي ومافيات المصالح الدولية... من يحكم العالم؟
29 Jun 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
حين يقتل الاحتلال الحقيقة مرتين بالقذائف ثم بالسرطان
28 Jun 2026
director
المقال السياسي
غــزö تتأهل للنهائي منذ 3سنوات، وسط الإبادة الجماعية والعدوان الممنهج
27 Jun 2026
director
المقال السياسي
1000 يوم على الطوفان.. من نار الإبادة إلى 1000 مشهد صمود
24 Jun 2026
director
المقال السياسي
هل يشكل الاتفاق الأمريكي الإيراني مفترق طرق في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟
23 Jun 2026
director
المقال السياسي
أين العالم الإسلامي من نصرة غزة؟
21 Jun 2026
director
المقال السياسي
السلطة في عيون الأحزاب
20 Jun 2026
director
المقال السياسي
ما بعد حرب طهران وواشنطن: وأين دُفنت غزة في كواليس الصفقة؟
17 Jun 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
الأسيرالشهيد عماد سرحان ضحية جديدة ومقصودة لسياسة "الإعدام البطيئ"!
15 Jun 2026
director
المقال السياسي
الاحتلال الإسرائيلي..حين يعدم الضمير
14 Jun 2026