يشكّل التعامل الإسرائيلي مع الأسير الفلسطيني واحدة من أكثر زوايا الصراع قتامة، إذ لا يُعامَل الفلسطيني داخل منظومة الاعتقال بوصفه إنساناً صاحب حقوق، بل كـ”شيء” يسهل نقله من بيته الآمن إلى المجهول القاسي. فالمسافة بين لحظة الاعتقال ولحظة الوصول إلى المعتقل تُختزل في عملية محو منهجي للكرامة: إذ يُسلب الأسير شعوره بذاته، ويُعامل كجسد مباح، مهدور الحقوق، مُتاح للإيذاء، كما لو أن إنسانيته تفصيل زائد يمكن شطبه بقرار عسكري.
نزع الإنسانية… القاعدة لا الاستثناء
منذ سنوات طويلة يقوم الاحتلال على بناء منظومة اعتقال تُفرغ الفلسطيني من أي شعور بالأمان. لكنها بعد السابع من أكتوبر تجاوزت كل المحظورات القائمة سابقًا: توسعت الانتهاكات، تلاشت الحدود التي كانت تضبط سلوك السجّان، وأصبحت الممارسات التي كانت تُعدّ “استثنائية” جزءاً من الروتين اليومي—تعذيب، إذلال، عزل تام، تقييد قاسٍ، وانعدام أي ضمان للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
هذا التصعيد لم يكن صدفة. لقد سعى الاحتلال إلى خلق نموذج ردع قاسٍ، نموذج يُراد منه أن يترسخ في ذاكرة الكل الفلسطيني : كل فعل مقاوم سيُقابل بتجربة اعتقال تتجاوز الاحتمال الإنساني. كان الهدف أن تتحول ذكريات الأسر، بما تحمله من ألم وإهانة وتجويع وضغط نفسي، إلى أداة سياسية لإجهاض التفكير بأي مواجهة مستقبلية.
نتائج الوحشية: ردع سريع… لكنه هش
من منظور الاحتلال، قد يكون لهذا النهج تأثير آني: إذ يخلق صدمة قادرة على فرملة بعض السلوكيات في المدى القصير. إلا أن التجربة التاريخية تثبت أن الردع القائم على الوحشية ليس دائم، بل ينقلب لاحقاً إلى وقود إضافي لتعزيز روح التحدي. فالفلسطيني الذي يتعرض لهذه التجربة قد ينكسر لحظةً، قد يكون الانكسار مؤقت لكنه يعيد تشكيل وعي أشد صلابة تتحول فيه الذكريات إلى إرادة عن المعظم، فلا ينسى هذا الأسير جولات التعذيب ولا مرارة الجوع ولا قسوة الإهانة.
لاشك أن الوحشية التي يُمارسها الاحتلال لا تولّد استسلامًا طويل الأمد، بل تقوّي قناعة الفلسطيني بأن معركته مع منظومة لا تفاهم معها فقد انتهكت كافة المحرمات وضغطته لدرجة تدفعه تدريجياً نحو الانفجار . فكما قوانين الفيزياء كانت تجارب الشعوب المحتلة ؛ كلما شدّد الاحتلال قبضته، زادت احتمالات أن تعود الدائرة لتغذّي الفعل المقاوم لا العكس.
الصورة في العالم… انكشاف غير مسبوق
بعد السابع من أكتوبر، لم تعد الانتهاكات محصورة خلف الجدران. ظهرت صور علنية وموثقة، كقضية سجن سدي تيمان وما كشفته من تعذيب، وإذلال، واحتجاز غير إنساني، إضافة إلى أمثلة عديدة داخل السجون وخارجها، الأمر الذي هزّ الرواية الإسرائيلية عالميًا. فالاحتلال الذي لطالما حاول تقديم نفسه كـ”دولة قانون” ظهر بصورة دولة تمارس التعذيب والإعدام البطيء دون حرج، في تناقض كلي مع خطابها العام.
هذا الانكشاف ترك آثاراً استراتيجية:
تآكل الشرعية الأخلاقية لإسرائيل في الغرب.
تراجع قدرة الاحتلال على تسويق رواية أمنية نظيفة.
تعزيز التعاطف العالمي مع قضية الأسرى ومع الفلسطينيين عمومًا.
بين اللحظة والامتداد… أي مستقبل لهذا النهج؟
من السهل أن تُحدث الوحشية صدمة، لكن من الصعب أن تُبقي مجتمعًا كاملًا تحت وطأة الخوف إلى الأبد. فالفلسطيني الذي تَعرّض للنكبة والاعتقال والتشريد والحروب يحمل ذاكرة مقاومة أطول عمرًا من أدوات الاحتلال. ومع الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى جزء من السردية الوطنية، وإلى سبب إضافي يرسّخ الوعي بالقضية ويعمّق التمسك بها.
هكذا تتضح المفارقة: الاحتلال يحاول صناعة الردع عبر التعذيب، لكنه في الحقيقة يصنع دافعًا إضافياً للصمود. كما أن التعامل مع الفلسطيني كـ“شيء” لا يقلّل من إنسانيته، بل يكشف عن التوحش المتأصل لدى المحتل ويقربه من نهاية شرعيته.