باعتقادي أن ضرب الاستقرار الإقليمي يتعمق بفصل وحداته المتجانسة تاريخياً، ومثال ذلك محاولات الفصل بين دول المنطقة. وبالتالي من غزة، حيث تتقاطع نتائج السياسات الإقليمية مع الواقع اليومي، لا يبدو الأمن الإقليمي مفهوماً نظرياً أو إطاراً خطابياً، بل منظومة مترابطة من التوازنات والاختلالات.
وهنا يجدر القول أنه في هذا السياق، لا يمكن النظر لقضية فلسطين على أنها ملف انساني يمثل عبئ، أو ملف سياسي منفصل، ولا مع سوريا باعتبارها ساحة مستقلة عن مفاعيل الصراع الأوسع.
كون أن العلاقة بين الحالتين ليست علاقة تضامن سياسي، بل علاقة ارتباط جيوسياسي وجيوستراتيجي تحكمه منطق المصالح وتوازنات القوة.
حيث أنه تاريخياً، لم تتعامل القوى الفاعلة في الإقليم مع فلسطين وسوريا على أنهما وحدتين منفصلتين. نظراً لأن التصورات الاستراتيجية التي رافقت نشوء الصراع في المشرق قامت على إدارة المجال ككل متكامل، حيث تؤدي كل ساحة وظيفة محددة في منظومة السيطرة أو الاحتواء. من هذا المنظور، لم يكن استهداف فلسطين معزولاً عن تحجيم الدور السوري، كما لم يكن إضعاف سوريا حدثاً داخلياً خالصاً، بل جزء من إعادة ضبط موازين القوى في الإقليم.
وبالتالي ومع تحولات النظام الدولي وتراجع أنماط الصراع التقليدي، جرى الدفع نحو فصل المسارات، سياسياً ووظيفياً، بين القضية الفلسطينية والدور السوري.
غير أن هذا الفصل لم يؤد إلى استقرار، بل أنتج فراغات أمنية وسياسية جرى توظيفها من قبل فاعلين إقليميين ودوليين، ما أضعف قدرة الطرفين على التأثير والمناورة.
ومن زاوية جيوسياسية واقعية،أعتقد أن فلسطين وسوريا تاريخاً وحاضراً تشكلان ساحة واحدة متعددة المستويات. وهو ما يريد الأجنبي فصلها وعزلها عن بعضها.. فإن الخصوم يديرون الصراع بمنطق الملفات المنفصلة، بل أيضاً بمنطق الشبكات والوظائف المتداخلة.
في المقابل، أفضت المقاربات المجزأة إلى تراجع الوزن التفاوضي العربي وإلى اختلال مفهوم الأمن الإقليمي. وهنا يمكن الإشارة من غزة، حيث يتضح أن عزل فلسطين عن عمقها السوري لم يحم الفلسطينيين، كما أن أي إعادة تموضع سوري تتجاهل مركزية فلسطين لم تحقق مكاسب استراتيجية مستدامة للمنطقة العربية وجوارها.
اما جيوستراتيجيا، فإن الإشكال الجوهري يكمن في اختزال فلسطين في بعدها القيمي فقط. في ظل أنها في الحسابات الواقعية ليست رمزاً سياسياً فحسب، بل عقدة تأثير تتحكم بمسارات الأمن والطاقة والنفوذ في شرق المتوسط والمشرق.
وهنا في هذا الإطار، تمثل سوريا عمق استراتيجي لا يمكن تجاوزه، ليس من باب الاصطفاف، بل من حيث الوظيفة في منع تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي وتحويلها إلى مسألة إنسانية معزولة.
وبناءً على ذلك، فإن أي تصور سوري للأمن الإقليمي، إذا لم يدمج فلسطين كجزء بنيوي أصيل في معادلة الاستقرار، سيبقى تصوراً منقوصاً.
فإن التعامل مع فلسطين بوصفها عبئ سياسي أو ملف ذا سياسية ويفضل تحييده لا يقلل من الضغوط الدولية، بل يعيد إنتاجها ضمن توازنات أكثر تعقيداً.
وقبل الختام.. أود التنبيه أن الأمن الإقليمي تاريخاً لا يقبل التجزئة . فلا استقرار دون معالجة جذرية لبنية الصراع، ولا توازن مستدام إذا جرى تجاوز فلسطين أو تحييد الدور السوري في نفس الوقت.
كما أن الأمن الإقليمي لمن يحاول التجاهل ... يبدأ من فلسطين، لكنه حتماً يمر بسوريا، وهذه حقيقة تحكمها الجغرافيا السياسية قبل أي اعتبار آخر.
ختاماً:
وفي مجمل ما ذكرته أعلاه، أنتهز الفرصة لتوجيه رسالة إلى الأخ الرئيس أحمد الشرع، من غزة حيث تختبر السياسات بنتائجها لا بنواياها، وتبدو الحقيقة أكثر تماسكاً:* يا بن الشام .. بوابة بيت المقدس الشمالية إن تثبيت موقع سوريا كفاعل إقليمي متوازن يمر عبر قراءة دقيقة لوظيفة فلسطين في معادلة الأمن، لا بوصفها عبئاً سياسياً، بل أيضاً عنصر استقرار إذا ما أدرج بعقلانية في الحسابات الاستراتيجية. وإن أي مقاربة هادئة وواقعية تعيد دمج فلسطين ضمن تصور سوري للأمن الإقليمي لا تخدم الفلسطينيين وحدهم، بل تعزز موقع سوريا نفسها وتمنحها هامشاً أوسع للمناورة والتأثير.
علماً أن هذه ليست دعوة إلى الاصطفاف، بل إلى استثمار الجغرافيا السياسية بحكمة لصالح شعوب المنطقة.