في صباح يوم 28 فبراير 2026 وبعد ساعات قليلة فقط من إعلان وسيط عماني عن تقدم كبير في المفاوضات النووية غير المباشرة في جنيف شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما مشتركاً واسع النطاق على ايران. استهدفت الضربات مجمعاً سكنيا للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في وسط طهران بثلاثين قنبلة اختراقية فقتلته في وضح النهار مع عدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين وزير الدفاع عزيز ناصر زاده وقائد الحرس الثوري محمد باكبور .
لم يكن هذا خطأ أو تصعيداً عريضاً كان خاتمة منطقية لسياسة أمريكية طويلة الأمد تسمى نفسها دبلوماسية بينما هي في جوهرها إكراه عسكري مغلف بكلام عن الحوار. هذا العدوان ليس انتصارا للقوة الأمريكية بل هزيمة مذلة لما يدعى أنه دبلوماسية واشنطن. فالدبلوماسية الحقيقية تفترض القدرة على التفاوض مع الخصوم لا قتلهم أثناء التفاوض.
لنعد إلى الوراء قليلا كما يفعل أي تحليل جاد للسياسة الخارجية الأمريكية. منذ انقلاب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1953 الذي أطاح بحكومة مصدق المنتخبة ديمقراطياً لأنها تجرأت على تأميم النفط مرت ايران بمراحل متتالية من السيطرة الأمريكية ثم الثورة ثم العقاب. كان الشاه دمية واشنطن يسلح بأحدث الأسلحة مقابل ضمان تدفق النفط ورضا اسرائيل. ثم جاءت ثورة 1979 فأصبحت ايران عدوا لأنها رفضت أن تكون عميلة. منذ ذلك الحين والولايات المتحدة تفرض عقوبات وتدعم اغتيالات وتشن حروبا اقتصادية وتغطي على الضربات الإسرائيلية.
ان اتفاق الخطة الشاملة المشتركة للعمل عام 2015 كان استثناء نادراً ايران وافقت على تقييد برنامجها النووي مقابل رفع جزئي للعقوبات لكن دونالد ترامب انسحب منه عام 2018 وأعاد الضغط الأقصى تماماً كما يفعل الآن في 2026 الدرس واضح أي دبلوماسية امريكية ليست سوى مرحلة انتقالية نحو الإكراه عندما لا يطيع الطرف الآخر.
في ابريل 2025 أرسل ترامب رسالة إلى خامنئي يحدد مهلة ستين يوماً لتفكيك كامل للبرنامج النووي ووقف الدعم للوكلاء حماس و حزب الله والحوثيين مقابل رفع العقوبات، بدأت جولات مفاوضات غير مباشرة في مسقط وروما عرضت ايران تخفيض تخصيب اليورانيوم إلى 3.67 بالمئة ونقل المخزونات إلى دولة ثالثة وحتى نزع سلاح بعض الوكلاء مقابل رفع العقوبات وضمانات بعدم الانسحاب الأمريكي مرة أخرى من الاتفاق.
وصلت المفاوضات إلى تقدم ملحوظ في مايو لكن اسرائيل شنت ضربات في 13 يونيو 2025 فقتلت علماء وعسكريين ثم ضربت الولايات المتحدة مواقع نووية في 21 يونيو. توقفت المفاوضات. عادت في فبراير 2026 وفي 26 فبراير أعلن وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي تقدما كبيرا واختراقا تاريخيا بتعهد ايراني بعدم السعي لمادة نووية لقنبلة. بعد يومين بالضبط جاء العدوان.
هنا تكمن *الهزيمة الدبلوماسية* بأوضح صورها كيف يمكن لدبلوماسية أن تكون ناجحة إذا انتهت بقتل الطرف الآخر أثناء الحوار، الجواب بسيط لأنها لم تكن دبلوماسية أصلا. كانت غطاء للتحضير العسكري. الإدارة الأمريكية كما اعترف مسؤولوها أنفسهم في نيويورك تايمز لم تؤمن أصلا بإمكانية التعامل مع رجال الدين الشيعة المتطرفين الذين يحكمون باللاهوت الخالص لقد كان ترامب وماركو روبيو يرون أن أي تسوية مع ايران مستحيلة لأن النظام لا يمكن الثقة به،إذن لماذا التفاوض. لإعطاء الرأي العام الأمريكي والدولي انطباعا بأن كل الخيارات جربت ثم الضرب. هذا هو النمط الكلاسيكي للسياسة الإمبريالية استخدام الدبلوماسية كسلاح دعائي لا كأداة حل.
الدور الإسرائيلي هنا ليس ثانويا بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية يحارب ايران منذ عقود ويستخدم الولايات المتحدة كغطاء ومورد للاستخبارات والذخيرة. الضربات التي استهدفت خامنئي اعتمدت على معلومات من السي آي إيه لكن التنفيذ الفعلي كان إسرائيليا. هذا التقسيم الواضح يعكس علاقة التابع بالتابع اسرائيل تفعل ما تريد وامريكا تدفع الفاتورة السياسية والاقتصادية. وكما أظهرت الوثائق التاريخية مرارا فإن اللوبي الإسرائيلي والمصالح العسكرية الصناعية الأمريكية تتقاطع في منع أي اتفاق نووي حقيقي يسمح لايران بأن تكون دولة مستقلة ذات نفوذ إقليمي. ايران تمتلك برنامجا نوويا سلميا كما تؤكد الفتوى الخمينية التي لا تذكر أبدا في الإعلام الأمريكي بينما اسرائيل تمتلك مئات الرؤوس النووية دون أي رقابة دولية. لكن التهديد الحقيقي حسب الرواية الرسمية هو ايران دائما.
الإعلام الأمريكي كما في كل مرة يلعب دوره في صناعة الرضا. يصور الهجوم كدفاع عن النفس ضد تهديد وجودي. لا يذكر أن المفاوضات كانت تسير نحو اتفاق ولا أن ايران عرضت تفتيشا إضافيا وتخفيضا للتخصيب.
لا يسأل لماذا قتل خامنئي بعد يوم من الاختراق التاريخي. بدلا من ذلك نرى تحليلات عن النظام الإرهابي والضرورة الأخلاقية للضرب. هذا هو ما وصفته منذ عقود بالدعاية المصنعة تحويل الضحية إلى مجرم والمجرم إلى بطل. الجمهور الأمريكي يقنع بأن قتل قائد دولة ذات 90 مليون نسمة أثناء مفاوضات هو حماية للسلام.
والنتائج لم يحدث تغيير النظام الموعود. النظام الإيراني صامد والرد الإيراني بدأ صواريخ على قواعد امريكية ومراكز مصالحها في الخليج واستهدافات في اسرائيل وحتى تحذيرات لدول الخليج. أسعار الذهب ارتفعت والنفط مهدد. المنطقة كلها على حافة حرب إقليمية شاملة. هذا ليس انتصارا إنه فشل ذريع. الدبلوماسية الأمريكية أثبتت أنها غير قادرة على إنتاج سلام بل قادرة فقط على إنتاج المزيد من الأعداء. كلما ضربت واشنطن زادت المقاومة. كما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا. الآن في ايران النتيجة ذاتها تعزيز المتشددين وتقوية التحالفات مع الصين وروسيا وفقدان الثقة الدولية في أي كلمة امريكية.
ان الأمر الأكثر إثارة للسخرية أن الولايات المتحدة ترفض حتى فكرة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط اقتراح ايراني وروسي وصيني متكرر. لأن ذلك سيضع اسرائيل تحت الرقابة وهو أمر غير مقبول، الدبلوماسية الحقيقية تتطلب المساواة والاحترام المتبادل والقانون الدولي ما النسخة الأمريكية فتتطلب الاستسلام أولا ثم الضرب إذا لم يحصل. وهكذا أصبح العدوان على ايران دليلا حيا على أن الدبلوماسية الأمريكية في العالم العربي والإسلامي ليست سوى اسم آخر للسيطرة العسكرية.
في النهاية هذا الهجوم ليس مجرد حدث عسكري إنه إعلان عن فشل استراتيجي أعمق ،فشل في فهم أن الشعوب لا تقبل الإذلال وأن القوة العسكرية لا تستطيع أن تحل محل الشرعية.
ان ايران اليوم أقوى سياسيا مما كانت قبل الضربة لأنها أصبحت رمزاً للمقاومة. أما الولايات المتحدة فخسرت آخر بقايا مصداقيتها كوسيط. الدبلوماسية الحقيقية كانت ممكنة رفع العقوبات ضمانات أمنية متبادلة منطقة خالية من السلاح النووي احترام حق ايران في التخصيب السلمي تحت رقابة. لكن ذلك كان سيمنع الهيمنة وسيضعف المصالح العسكرية الصناعية وسيسمح بظهور عالم متعدد الأقطاب. وهذا بالنسبة للإمبراطورية غير مقبول.
لذلك اختارت واشنطن الحرب وفي هذا الاختيار اعترفت بهزيمتها الدبلوماسية قبل أن تبدأ. التاريخ سيسجل أن 28 فبراير 2026 لم يكن يوم انتصار امريكي بل يوما أعلن فيه العالم أن الدبلوماسية الأمريكية لم تعد سوى كذبة مكشوفة. والشعوب التي تدفع الثمن في طهران وغزة وبيروت وصنعاء تعرف ذلك جيدا. والسؤال الوحيد المتبقي كم من الدماء يجب أن تسيل قبل أن تدرك واشنطن أن القوة لا تنتج إلا المزيد من القوة المضادة.