منذ اللحظة الأولى التي انطلق فيها صوت الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة لم يكن الأمر مجرد تصريح صحافي عابر ولا بيانا تعبويا يستهلك في زحمة الأخبار هذا الرجل الذي تتعمد كتائب القسام إخفاء ملامحه وتحتفظ به كصوت استراتيجي بامتياز يعرف جيدا متى يتحدث وإلى ماذا يشير وماذا يترك دون كلام حين يظهر أبو عبيدة في مشهد متلفز فإنه لا يقدم نشرة أخبار عن المقاومة بل يوقع على وثيقة عسكرية بامضاء سري لا يقل خطورة عن أي عملية ميدانية تنفذها الكتائب على الأرض.
في خطابه الأخير الذي تصدت له منصات التواصل وانشغل به المحللون والمتابعون تجلت بوضوح ملامح التحول الكبير الذي أحدثته معركة طوفان الأقصى في بنية الصراع مع الاحتلال لم يعد الحديث مقتصرا على غزة ولم تعد الرسائل موجهة إلى الداخل الفلسطيني فقط بل انفتح الخطاب على ساحات متعددة في لبنان واليمن والعراق وسوريا وأطراف إقليمية أخرى هذا ليس كلاما عابرا هذا إعلان استراتيجي بأن المواجهة مع المشروع الصهيوني لم تعد حربا على جيب محاصر بل هي معركة وجود على مستقبل المنطقة بأسرها.
هنا أتوقف عند مفهوم وحدة الساحات الذي يتحدث عنه أبو عبيدة بوصفه واقعا ملموسا لا مجرد شعار يرفع في المؤتمرات وحدة الساحات بهذا المعنى ليست اختراعا إعلاميا طارئا بل هي ترجمة فعلية لتشابك المصائر في مواجهة عدو واحد يدرك أن تفكيك المقاومة يبدأ من عزل كل ساحة عن الأخرى إسرائيل لعبت لعبة الفصل طويلا جربت أن تضرب غزة وحدها وتفاوض الضفة بمفردها وتتصدى لحزب الله في لبنان منفردا لكن معادلة طوفان الأقصى دكت هذا المخطط وجعلت الساحات تتنفس بصوت واحد أبو عبيدة عندما يذكر أن ضربات مجاهدي إيران ولبنان واليمن والعراق هي امتداد لطوفان الأقصى فإنه يرسم خريطة جديدة للصراع تقوم على أن ما يحدث في غزة ليس قضية فلسطينية وحدها بل هو مركز ثقل لمقاومة إقليمية تمتد من طهران إلى صنعاء مرورا ببيروت وبغداد .
ان القراء العسكريون الذين تعودوا على تناول الخطاب الإعلامي للمقاومة كمجرد كلام للاستهلاك المحلي يخطئون في تقديرهم حين ينظروا إلى كلمة أبو عبيدة على أنها مجرد رد فعل على تطور ميداني هذه الكلمة كانت بمثابة نشرة عمليات متكاملة فيها توجيه للأفراد ودعوة لتنفيذ عمليات نوعية دفاعا عن الأسرى وتحديد للعدو بدقة وتأكيد على أن تصعيد الاحتلال هو إيذان بالسقوط لا نصر هذا هو منطق المؤسسة العسكرية التي تدرك أن الحرب لا تقاس بعدد الصواريخ فقط بل برسالة اليقين التي تزرعها في قلوب الجنود والضباط وفي عقول القادة.
والمدهش في خطاب الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة أنه لم يترك مساحة للمراوغة السياسية ولا لمناشدة المجتمع الدولي الذي ثبت فشله الذريع في وقف نزيف الدم الفلسطيني بدلا من ذلك اتجه نحو تعبئة الروح المعنوية للمقاومين وأبناء الشعب موجها بوصلتهم نحو القدس والمسجد الأقصى باعتبارها القضية المركزية التي تجمع الأمة ولا تتجزأ لقد فهم الرجل جيدا أن المعركة الراهنة ليست معركة أسلحة فقط بل هي معركة إرادات ومعركة سردية ومعركة رواية من يثبت أنه الأقدر على استيعاب صدمات الحرب وتحويلها إلى طاقة هجومية لا تنضب.
لطالما كنت مؤمناً أن قضية تحرير فلسطين ليست أثرا من الماضي نرثيه بل هي قضية المستقبل القريب التي ستظل تشغل العالم وتحسم مصائر الأنظمة والتحالفات اليوم نرى ما كنت أرجوه فرغم اننا نرى أهوالا لا تطاق يتعرض لها المدنيون في غزة ومن جهة أخرى نرى مشهدا تاريخيا لأول مرة منذ عقود حيث تتحد أطراف متباعدة جغرافيا على هدف واحد وهو إنهاء الاحتلال إن ما يفعله أبو عبيدة بخطابه هو إعادة تعريف معنى القيادة العسكرية في عصر الإعلام فحين يتحدث وهو المقنع لا يُرى فإنه لا يتحدث عن نفسه بل يختفي تماما خلف مؤسسة كتائب القسام التي يمثلها بصدق وهذه هي أخلاقيات الثوار الحقيقيين الذي لا يبحثون عن ضوء الشهرة بقدر ما يبحثون عن نور النصر، ابراقه بالتعزية باستشهاد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي و ذكره الشهيد حسن نصرالله وماتسطره المقاومة هناك من مجزرة للدبابات الاحتلال ، وشكره لذو الفقار المتحدث باسم مقر خاتم الانبياء العسكري في ايران على تسمية عدد من العمليات الهجومية ع اراضينا المحتلة باسم الشهيد احمد ياسين والشهيد يحيى السنوار يؤكد عمق الوحدة الجهادية.
أقول لكل من يتساءل لماذا يهتم العالم بكلمة لأبو عبيدة أكثر من اهتمامه ببيانات الحكومات إن السر ببساطة أن أبو عبيدة يمتلك سلاحا لا تمتلكه الحكومات وهو سلاح الصدقية مئات الآلاف من أنصاره والمتابعين له في العالم يعرفون أن هذا الرجل لم يكد يوما ولم يبالغ في تقدير قوته وأن كل ما يقوله هو مجرد انعكاس لحقيقة ميدانية وليس تضخيما إعلاميا لصورة هشة تتهاوى عند أول اختبار.
وحدة الساحات كما يقدمها أبو عبيدة ليست تحالفا ظرفيا بل هي معادلة بقاء للأمة العربية أمام مشروع تقسيمي يريد تفتيتنا إلى دويلات متناحرة حين تشتعل غزة ويردها لبنان وتساندها اليمن فإن ذلك يعني أن الحلم الصهيوني بالعيش في أمن منفرد هو مجرد سراب وأن الشعوب التي ارتوت بدماء الشهداء لن تفرط في حلم التحرير أبدا.