الهواتف في زمن الحرب: قراءة أمنية في مخاطر الهواتف المدخلة إلى غزة واستحضار درس “البيجرات” في لبنان
23 Nov 2025

في بيئة صراع معقدة مثل غزة، تتحوّل أدوات الاتصال من وسائل للتواصل إلى بوابات تهديد استراتيجي. ومع اندفاع كميات كبيرة من الهواتف إلى القطاع في وقت يتقدم فيه الاحتياج للغذاء والدواء على أي شيء آخر، تبرز أسئلة مشروعة حول خلفية هذا التدفق وطبيعته ودوافع الجهات التي سمحت بعبوره.

هذه الظاهرة تفتح الباب لاستحضار المشهد اللبناني في حقبة “البيجرات”، حين تحوّلت أجهزة بسيطة إلى أدوات تتبع ورصد قادت لاحقاً إلى اختراقات أمنية واسعة.

أولاً: الاتصالات في بيئات الصراع — من وسيلة إلى سلاح

الهواتف الذكية اليوم ليست مجرد أدوات اتصال؛ إنها:

         •        أجهزة تجسس صامتة

         •        منصات لجمع البيانات

         •        وحدات تحديد مواقع

         •        ميكروفونات مفتوحة

         •        وصناديق سوداء لتسجيل السلوك والحركة

في ظل وجود عدو يملك خبرة طويلة في الحرب الإلكترونية (كإسرائيل)، يصبح أي جهاز يدخل بيئة القتال مصدر قلق حقيقي.

1. التوقيت… علامة استفهام

 

إدخال الهواتف بكميات كبيرة في لحظة يُفترض فيها أن الأولويات إنسانية يُعد مؤشرًا خطيرًا.

أجهزة الاتصالات لا تُضخ في حروب مفتوحة إلا لغرض يريده الطرف المسيطر على البوابات.

2. الجهاز الذكي أخطر من بندقية

لأن البندقية تحتاج ضغط زناد، بينما الهاتف—إن كان مُعدًّا مسبقًا—يعمل دون تدخل من صاحبه، ويسرب في الصمت.

ثانياً: درس البيجرات في لبنان — كيف تُصنع نافذة اختراق؟

ما حدث في لبنان ليس تفصيلاً تاريخياً؛ إنه نموذج استخباراتي مكتمل:

         1.      إدخال أجهزة عادية ظاهريًا

         2.      انتشارها بين الناس

         3.      تحولها لبنية تتبع وتحليل

         4.      استخدامها كمنصة عمليات اغتيال ورصد

النموذج ذاته يمكن استنساخه في غزة بسهولة أكبر، نظراً:

         •        للحصار

         •        لعدم وجود رقابة تقنية عالية

         •        وللاحتياج الشديد للاتصال

         •        ولوجود بنية اجتماعية مكتظة تساعد في بناء “خرائط سلوكية”

ثالثاً: ماذا لو تم تعطيل الهاتف أو إزالة وحدات الإرسال؟

سؤال جوهري:

هل تنتهي الخطورة التقنية إذا تم فصل الشبكة أو نزع القطعة الخاصة بالإرسال؟

الإجابة المهنية الصريحة:

لا. الخطر يتراجع… لكنه لا يختفي.

الأسباب:

1. وجود وحدات إرسال بديلة

حتى دون شبكات:

         •        البلوتوث

         •        Wi-Fi

         •        NFC

         •        UWB

يمكن تفعيلها عن بُعد إذا كانت البرمجيات مزروعة مسبقاً.

2. إمكانية التخزين المحلي ثم الرفع لاحقاً

الجهاز قد يسجل الصوت والحركة ويخزنها، ثم ينقلها عند أول اتصال أو عند وصله بشاحن أو جهاز آخر.

3. اختراق برمجيات العتاد (Firmware)

هذا النوع من الاختراق يعادل اختراق الدماغ:

         •        لا يُطفأ

         •        لا يُكتشف

         •        ولا يُعطَّل إلا بتدمير الجهاز

وهذه تقنيات موجودة لدى شركات استخباراتية إسرائيلية وأمريكية وأوروبية.

رابعاً: لماذا تزداد الخطورة في غزة تحديداً؟

1. البيئة السكانية المكتظة

تسمح ببناء خرائط تحرك عالية الدقة.

2. محدودية الرقابة التقنية

الأجهزة التي تدخل—خصوصاً في ظروف الحرب—قد لا تخضع لفحص عميق.

3. الحاجة الاتصالية

تدفع الناس لاستخدام أي جهاز متاح، وهذا ما يريده العدو تحديدًا.

4. سياق الحرب الإلكترونية الإسرائيلية

إسرائيل في ذروة حاجتها لإعادة بناء بنك الأهداف داخل غزة بعد عامين من الحرب، ما يجعل أي جهاز يدخل القطاع فرصة استخبارية.

خامساً: كيف تتحول الهواتف إلى “أجهزة وسم” داخل المجتمع؟

         1.      تتبّع الحركة من خلال المستشعرات

         2.      إنشاء خريطة اجتماعية للعلاقات (Social Mapping)

         3.      تحليل الأنماط اليومية

         4.      تحديد الأماكن الحساسة عبر الكثافة الرقمية

         5.      مراقبة الارتباطات بين الأشخاص والأنشطة

بهذه الآليات، يصبح الهاتف أشبه بـ “منارة” صغيرة تضيء للعدو في الظلام.

سادساً: الإجراء الأمني الواجب — التحصين قبل التواصل

1. التحذير الشعبي الواعي نشر وعي واضح بأن الهاتف في زمن الحرب ليس جهازاً عادياً.

2. منع إدخال الهواتف غير المفحوصة إلى البيئات الحساسة غرف المقاتلين، التحركات، الأنفاق، الاجتماعات.

3. إنشاء بروتوكول أمان اتصالي شامل

يشمل:

         •        مناطق محايدة للأجهزة

         •        نقاط تفريغ

         •        مناطق عزل

         •        فحص عتادي وبرمجي

4. الفصل الكامل بين الهواتف والميدان

أفضل إجراء أمني:

لا هاتف داخل منطقة عمليات… مهما كان.

خاتمة

إدخال الهواتف إلى غزة بكميات كبيرة ليس حادثاً عابراً.

إنه حدث يجب قراءته بعيون واعية، لا بعين المواطن الباحث عن وسيلة اتصال.

ما حدث في لبنان ليس قصة من الماضي؛ إنه دليل عملياتي يجب أن يبقى في الخلفية دائماً.

الهاتف في بيئة الحرب ليس وسيلة تواصل… بل احتمال اختراق.

ووعينا الاتصالي اليوم هو خط الدفاع الأول عن الإنسان والميدان والحركة.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
طوفان الأقصى وإعادة تعريف النصر: قراءة في سقوط الردع الإسرائيلي
25 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الخديعة الكبرى: كيف شرعنّت واشنطن ضم الضفة وخطّت تهجير فلسطين — ترامب مهندس المصيدة
02 Oct 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
المطلوب من قادة العرب في قمة الدوحة
13 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الاغتيالات الإسرائيلية قوة متوهَّمة أم إقرار بالضعف البنيوي؟
10 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
مصر مركز الحسم في الصراع الإقليمي
07 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
منظمة شنغهاي والتداعيات المحتملة على واقع الحرب في غزة
02 Sep 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
من غيتو وارسو إلى غيتو رفح: مخطط الاحتلال لقتل وتهجير أهل غزة
24 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
جسراً للعبور لا سلماً للنزول
19 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
إسرائيل الكبرى": من الأساطير التوراتية إلى خرائط الهيمنة على الجغرافيا العربية
16 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الإقتصادي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي| المقال القانوني
بين برلين وغزة وفارق المساعدات الجوية
07 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
حين تُصبح المساعدات سلاحًا ضد الحقيقة قراءة في قرار ترامب وانهيار الرواية الصهيونية في الداخل الأميركي
05 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
الحربُ الخمسيَّة على غزة وتبادل الأدوار لمَ هذا والمستهدَفُ جائعٌ وأعزل؟!
03 Aug 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
قطاع غزة: بين ازمة المثقف الفلسطيني والعربي
31 Jul 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
ملاحظات حول مؤتمر نيويورك للاعتراف بالدولة الفلسطينية
31 Jul 2025
director
المقال الاجتماعي النفسي| المقال السياسي| المقال الإقتصادي| المقال الأمني والعسكري| المقال الثقافي والاعلامي
‎الولايات المتحدة وتأجيج الصراعات الإثنية والقومية: تكتيك جيوسياسي لكبح الصين وتطويق الخصوم
27 Jul 2025